رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

لم يرع انتباهى مصطلح «نعيش حالة من عدم اليقين» الذى ذكره الدكتور مصطفى مدبولى فى مؤتمره الصحفى 2 أكتوبر 2024 حينما قال: «نعيش حالة كبيرة من عدم اليقين تملى على الحكومات التعامل مع الأحداث بصورة المدى القصير لكيفية استيعاب الأحداث والتعامل معها بنظرية الاستمرار والاستقرار ومحاولة الإبقاء على الأوضاع الموجودة فى الدولة، ونحن لدينا الرؤى للتحرك للمرحلة القادمة، لكن ليس هناك رفاهية تصور ما سيحدث خلال ثلاث أو أربع سنوات لأنه لا أحد يعلم ماذا سيحدث غدًا».

لكن يبدو أن هذا المصطلح «نعيش حالة من عدم اليقين» سيكون المصطلح الرئيسى فى السردية التى تتبناها الحكومة الآن ومستقبلًا، بعد أن ردده السيد رئيس الوزراء مؤخرًا، خلال مراسم إطلاق مشروع «ذا سباين» حيث قال سيادته: «إن الشىء المهم جدًا أننا نطلق هذا المشروع العالمى، فى خضم حروب وصراعات جيوسياسية بهذا الحجم الكبير، تفرض «حالة من عدم اليقين» بالمستقبل أو عدم استشراف شكل المنطقة أو العالم».

لم يكتف المصطلح بالوقوف عند رئيس الوزراء، بل انتقل إلى وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية خلال لقائه مع سيادته مساء أول أمس؛ لمتابعة التداعيات الاقتصادية للأحداث فى المنطقة، واستعراض المشاورات التى تمت مع قيادات البنك الدولى حول الآليات والأدوات التمويلية الجديدة المتاحة لاحتواء تلك التداعيات الجيوسياسية، وقد أطلع سيادته على نتائج لقاءاته الثنائية مع عدد من الوزراء والشخصيات الاقتصادية الدولية، حيث أكد الوزير للمجتمع الدولى ضرورة الإسراع فى التحول نحو الاقتصاد الأخضر والطاقة المتجددة لمواجهة حالة «عدم اليقين» العالمى.

زالت حالة الاندهاش المؤقتة من تبنى الحكومة لهذا المصطلح؛ عندما وجدت السيدة «كريستالينا جورجيفا» رئيسة صندوق النقد الدولى تؤكده، وتطلق صيحة تحذير شديدة بشأن المخاطر التى تواجه الاقتصاد العالمى فى أكتوبر العام الماضى تقول فيها: استعدوا «عدم اليقين هو الوضع الطبيعى الجديد»!.

عمومًا وبعيدًا عن حالة الاندهاش العابرة التى مررت بها فإن مرحلة «عدم اليقين» تتسم بعدم الاستقرار والغموض والخوف، حالة من التحدى اليومى مع بيئة دائمة التغير، مصطلح يرتبط بعالم الطبيعة البشرية القلقة، الساعية دائمًا إلى الشعور بالاستقرار والطمأنينة والابتعاد عن لحظات التوتر؛ والخروج من ضبابية المنطقة الرمادية.

«عدم اليقين» جزء من الحياة لا يمكن تجنبه، فجميعنا يمر يتلك الحالة من الخوف والقلق والاضطراب، ثم تزول بزوال مسبباتها لنبدأ من جديد فى حلقة أخرى تفرضها الظروف الحياتية اليومية، حالة مزعجة تميز يومنا المشحون بالصراعات والحروب، وسيطرة رأس المال العابر للحدود، حالة من الغموض والاستسلام لغدٍ ليس له معايير ولا تفلح معه حسابات، حالة لا تُفَّرق بين «إنسان عالم الشمال» و«فرد عالم الجنوب»؛ يعرض عالم الاجتماع البولندى «زيجمونت باومان» فى كتابه «الخوف السائل»، أحد الآراء التى تفسر لغز أزمة الشعور بالخوف فى العالم المتقدم الذى يتمتع بمستوى عال من الرفاهية: «بأن الشعور الشديد بفقدان الأمان لا يصدر عن ندرة الحماية بل عدم وضوح نطاقها، فى عالم يتمركز تنظيمه حول طلب لا نهائى للحماية وبحث مسعور عن الأمن.. إن هوسنا بالأمن صار أخصب مصدر لقلقنا وخوفنا وهو مصدر متجدد ويبدو أنه لا ينضب».

فإذا كانت هذه هى الحال فى العالم الأول فما بالك بالعالم الثالث، كيف يمكن أن يعيش الفرد المطحون ويواجه أزماته المستمرة مع عالم «عدم اليقين»، كيف يستجيب إلى نصائح التكيف مع هذا الشعور الضبابى وصعوبة التنبؤ بتوابع قرارات وسياسات قادة عالم أصابهم الجنون، كيف يمكن أن يتعامل هذا الفرد مع نصائح تطالبه بالصمود والتحدى والتعايش والتركيز على الحاضر وتعلم كيفية إدارة هذا التوتر والقلق!.

الخلاصة: إذا كان «عدم اليقين» حالة تضرب الأفراد والمجتمعات وسط فوضى عالمية من الأحداث والصراعات والأزمات؛ فالأولى على الحكومات فى تلك المرحلة التخلى عن هذا المصطلح، وعلى السادة المسئولين عدم ترديده أو محاولة تعميمه، فتصدير الشعور بالاستقرار والأمان أفضل من ذلك بكثير.

أخيرًا: التعايش مع حياة مليئة بالتقلبات والتكيف معها، أشبه بالسير على رمال متحركة وسط ضجيج مؤلم وشعور بالعجز مع كل خطوة لسد احتياجاتنا الأساسية.

حفظ الله مصر من كل سوء.

 

[email protected]