رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الراوى

«ليست كل الحكايات للتسلية… بعضها مرآة، نرى فيها ما لا نحب أن نراه»

يومًا ما ظن بطل حكايتنا أن الشهور تمر كما أمر الأشياء فى حياته… عادية، متشابهة، لا تحمل نذرًا ولا بشائر، حتى جاء شهر يونيو، ذات عام، فترك فى قلبه أثرًا لم يبرأ منه حتى اليوم.

فى ذلك الشهر، فقد والده. لم يكن الفقدُ مجردَ غيابِ شخصٍ؛ بل غياب ظلٍ كاملٍ كان يستند إليه دون أن يشعر. الأب لم يكن فقط سندًا ماديًا؛ بل كان الطمأنينة التى لا تُرى، والقرار الذى يُتخذ بثقة، والظهر الذى لا ينكسر أبدًا. رحل فجأة، فوجد نفسه واقفًا فى مواجهة الحياة بلا مقدمة، بلا تدريب، بلا وقت كافٍ ليفهم ما الذى حدث!

مرت الأيام والشهور محاولًا التماسك، وقد أقنع نفسه أن الحياة لا تتوقف، وأن عليه أن يكمل المسير، أن يكون الرجل الذى أصبحه قسرًا. كان يُخفى حزنه جيدًا، يبتسم حين يجب، ويتحدث كأن الأمور تحت السيطرة، لكنه فى داخله كان يعيد ترتيب عالمٍ انهار دفعة واحدة.

ثم عاد يونيو… ولكن هذه المرة لم يكن مجرد ذكرى. كان صدمة ثانية.

فى العام التالى، وفى الشهر نفسه، فقد أخاه الأكبر.

هنا لم يعد الأمر مجرد حزن… بل صار خوفًا؛ خوفًا من الزمن حين يقرر أن يعيد نفسه. من شهرٍ بعينه أصبح يحمل لعنة شخصية، كأنه موعد مع الفقد، لا مع الأيام.

منذ ذلك الحين، لم يعد يونيو شهرًا عاديًا فى حياته. أصبح ثقيلًا، بطيئًا، مشحونًا بذكريات لا تهدأ. يبدأ التوتر قبل قدومه بأسابيع، وكأن قلبه يستعد لمعركة لا يعرف شكلها. كل يوم فيه يمر بحذر، وكل لحظة تُحسب، وكأنه ينتظر ضربة جديدة.

لكن الأثقل من الخوف… كانت المسئولية.

فجأة، لم يعد هناك أب أو أخ أكبر. لم يعد هناك من يُسأل، أو من يُحمَّل القرار. وجد نفسه فى المقدمة، رغم أنه لم يكن مستعدًا لذلك. صار عليه أن يكون السند، والعقل، والقوة… حتى فى الأيام التى كان بالكاد يقف فيها على قدميه.

تحمَّل ما لا يُرى. واجه الحياة بوجهٍ ثابت، بينما داخله يتآكل ببطء. لم يكن لديه رفاهية الانهيار، لأن هناك من يعتمد عليه. ولم يكن لديه وقت للحزن الكامل، لأن الواقع لا ينتظر أحدًا ليشفى.

وهنا، تتجلى قسوة بعض الحكايات…

ليست فى الفقد وحده، بل فى تكراره؛ فى أن يتحول الزمن من شيءٍ محايد إلى خصمٍ تخشاه. فى أن تَحْمِلَ شهرًا كاملًا فى قلبك كعبء، لا ذكرى فقط.

ومع ذلك… يستمر.

لأن بعض الناس لا يملكون خيار التوقف؛ لأن الحياة، رغم كل شيء، تفرض نفسها. ولأن القوة أحيانًا لا تكون فى تجاوز الألم، بل فى التعايش معه… دون أن يفقد الإنسان إنسانيته.

تلك ليست حكاية عن الحزن فقط… بل عن رجلٍ وُضع فى اختبار فاختار أن يقف حتى وهو يرتجف!

أستاذ الإعلام المساعد بكلية الآداب - جامعة المنصورة.

[email protected]