اتجاه
ما من مكافئ من القوة التقليدية، لتلك القوة التى تختص المجتمع الإيرانى، والأمر هنا، يتعلق بذلك النسيج الديموغرافى المعقد، الذى هو مصدر القوة والتحدى المطلق، على غير ما تكون عليه القوة البنيوية، سواء فى القدرات العسكرية، أو القدرات الاقتصادية، والتقسيمة المجتمعية فى إيران، أنها تمثل كتلة «فسيفسائية» صلبة، الأغلبية منها القومية الفارسية، تلتئم معها قوميات، الأكراد فى الشمال الغربى، والبلوش فى الجنوب الشرقى، كذلك الأهوازيون فى خوزستان، والأذريون فى الشمال، وأقليات عربية وتركمان، وكلها هويات وطنية، تتراكم تطلعاتها فى بناء دولة قوية، تستعصى على أى عدوان، كما فى الحروب الأمريكية- الإسرائيلية، أن تنال من تماسكها، ولو بمغريات الإنفصال عن الدولة.
<< إن كان أساس القوة الإيرانية، يتوثق بخصوصية المجتمع وقومياته، ومن ثم تظل الفضاء الواسع، لثبات واستمرارية هذه القوة، والتى يتأسس لها- وفى حاجة إليها- بنك القوى التقليدية المتنوعة، ما بين قدرات عسكرية، من عتاد وجيوش، وبين القدرات الاقتصادية وموارد الدخل القومى، وأخرى فى مجالات العلوم والتكنولوجيا، لزوم الانطلاق نحو التقدم فى كل الاتجاهات، وغالب الواقع، أنها- إيران- تمتلك المقومات المطلوبة لتكون واحدة من دول العالم، فى التقدم ولعب الأدوار الدولية والإقليمية، وعندها فوائض من القوى، تؤهلها لأن تتكافأ مع دول كبرى، فى السيادة كما فى الحروب، وقد خاضتها من قبل مع العراق، فى العام1980، والحال مع أمريكا وإسرائيل.
<< فى حرب الـ12 يوماّ- شهر يونيه الماضى- ومثلها الجارية بـ«وقف النار»، كان الزعم المتطابق فى الدعاية الأمريكية والإسرائيلية، يُجمِع على تدمير برنامج إيران النووى، من جهة، والقضاء على نصف مخزون الصواريخ الباليستية، من جهة أخرى، وفى القريب يتحدثون عن تدمير البحرية الإيرانية، وهكذا يصورون أمر إيران العسكرى، على أنه انتهى إلى سنوات عدة، لكن رغم الخسائر الاقتصادية والعسكرية، الواقع أنها لا تزال على قدرات متنوعة من فائض القوة، ينهض بها لأن تواصل مواجهة العدوان المشترك، وما تفخر به من عتاد عسكرى، خفيف وثقيل، يتراكم بأنواعه وضخامته فى مرابض البر والبحر، من دون تراجع عن تحقيق إنجازات فى الميدان، أقرب إلى النصر.
<< من بين فائض القوة فى إيران، على سبيل الدلالة وليس الحصر، تصاعد خطابها السياسى والعسكرى، تطرح نفسها من خلاله، على أنها قوة إقليمية، يمكنها التأثير خارج محيطها الجغرافى، وعلى الأرض، النفوذ الوطنى فى تطوير منظومات الصواريخ متعددة الأنواع والأبعاد، بالتوازى مع الإنتاج الضخم من الطائرات المسيرة، وأحدث ما كشفت عنه، منذ أيام، ما أطلقت عليه «أسطول الذباب»، وهى ابتكارات إيرانية خالصة، فى الفكر والتصنيع والتمويل، غيرت أدوات «التخمين»، وقد تفرض قواعد مختلفة للاشتباك، كونها أسلحة زهيدة التكلفة، تهدد بتدمير أسلحة متقدمة، تنفق على الولايات المتحدة وإسرائيل، عشرات المليارات من الدولارات.
<< وما برعت فيه إيران أيضاّ، ويظل من مكافئ القوة، ما ذهبت به فى اتجاه دعم تشكيلات المقاومة، من لبنان وفلسطين إلى العراق واليمن، فى تحالفات غير تقليدية، موجهة ضد الاحتلال الإسرائيلى، ونُصرَة مطلقة للفضية الفلسطينية، ودون ذلك، إستراتيجيتها فى استقرار داخلى، رغم عقوبات الـ47 عاماّ، والأكثر قوة ونفوذاّ، مورد النفط والطاقة، التى هى الرقم3 عالمياّ، يعززه الموقع الإستراتيجى لـ«مضيق هرمز» الملاحى، الذى يمنحها أفضلية التأثير فى20%، من تجارة النفط والطاقة العالمية، وهى ورقة ضغط جيوسياسية بيد إيران، تتجاوز أى حرب، بما تملكه من فائض القوة، ليس كسلاح وحسب، بقدر مايكون نفوذاّ وسيطرة، فى مواجهة العدوان الجارى عليها الآن.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض