كنوز الوطن
فى زمن تتسارع فيه الأخبار أسرع من الحقيقة، لم تعد الشائعة مجرد «كلمة عابرة»، بل أصبحت سلاحا خفيا قادرًا على هز الوعى، وبث الارتباك، وصناعة واقع موازى لا وجود له إلا على الشاشات وصفحات السوشيال ميديا.
الشائعة لا تبدأ كبيرة، لكنها تكبر كلما وجد من يمنحها حياة بالنشر دون تحقق. خبر كاذب عن أزمة، أو تصريح مفبرك، أو الأخطر من ذلك كله ادعاء وفاة شخصيات عامة أو نجوم مجتمع، وهم أحياء يرزقون ولدينا أمثلة كثيرة على ذلك آخرهم الفنان الكبير هانى شاكر وشائعات وفاته كل فترة، لحظات قصيرة من التفاعل قد تتحول إلى موجات من القلق، وحالة من الحزن الجماعى غير المبرر، ثم لا شىء سوى الحقيقة التى تأتى متأخرة بعد أن تكون الشائعة قد أدت دورها فى التشويه والإرباك.
الأخطر أن بعض الشائعات لم تعد عفوية، بل تدار أحيانًا عبر منصات إعلامية معادية أو حسابات مجهولة الهوية تستهدف بث الإحباط، وزرع الشك، وإضعاف الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته. وهنا لا تصبح الشائعة مجرد خطأ، بل جزءً من حرب نفسية ناعمة تستهدف الوعى قبل أى شىء آخر.
وفى المقابل، تتشكل ظاهرة أشد خطورة: ثقافة النشر قبل التفكير، حيث يشارك البعض أى محتوى دون تحقق، وكأن سرعة التفاعل أهم من دقة الحقيقة، غير مدركين أن إعادة نشر الشائعة تجعلهم جزءًا من تأثيرها السلبى على المجتمع.
وسط هذا المشهد، تبرز مسؤولية كبرى لا يمكن تجاهلها. فـقادة الفكر والرأى، والمؤثرون، ورجال الدين، جميعهم يتحملون دورًا محوريًا فى بناء الوعى، من خلال حملات تنويرية وتثقيفية تُعيد للناس قيمة التثبت، وتُرسّخ ثقافة «تأكد قبل أن تنشر»، وتُعيد تعريف المسؤولية الأخلاقية للكلمة.
ولا يقل دور الإعلام الوطنى أهمية، فهو خط الدفاع الأول فى مواجهة سيل الأكاذيب، وحائط الصد أمام محاولات تضليل الرأى العام. الإعلام الواعى ليس ناقلًا للخبر فقط، بل شريك فى حماية الدولة من محاولات التشويه، وكشف زيف ما يُبث عبر منصات غير مسؤولة، وتقديم المعلومة الدقيقة فى وقتها الصحيح.
ومن هنا تتجلى الحاجة إلى حملة قومية شاملة للتصدى للأكاذيب، لا تقتصر على رد الفعل، بل تقوم على بناء وعى مستدام، يربط بين المواطن والحقيقة، ويُحصّن المجتمع ضد التلاعب بالمعلومة، ويحوّل كل فرد إلى خط دفاع أول ضد الشائعة.
إن أخطر ما فى الشائعة ليس كذبها فقط، بل قدرتها على أن تبدو حقيقية... حتى تصدق. ولذلك، فإن معركة الوعى اليوم ليست ضد الخبر الكاذب فحسب، بل ضد الاستسهال، وضد اللامبالاة، وضد تصديق كل ما يقال دون سؤال بسيط: هل هذا صحيح أم لا؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض