رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

فى لحظات التوتر الكبرى، لا تقاس قوة الدول بعدد الصواريخ ولا بضخامة الترسانات، بل بقدرتها على إبقاء باب الحوار مفتوحاً حين يطالب الغضب بإغلاقه. هذا ما أثبتته أزمة الصواريخ الكوبية فى أكتوبر عام 1962، حين وقف العالم على حافة الفناء النووى، ثم تراجع خطوة إلى الوراء بفضل الرسائل المتبادلة بين جون ف. كينيدى ونيكيتا خروتشوف.

كان الرجلان خصمين أيديولوجيين يقود كل منهما معسكراً مدججاً بالسلاح النووى، لكنهما أدركا أن الكبرياء السياسية إذا انفلتت قد تدمر العالم دماراً شاملاً. لذلك اختارا الرسائل المتأنية، والعبارات المحسوبة، والبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه للطرفين. ولم يكن ذلك ضعفاً، بل شجاعة نادرة؛ شجاعة من يعرف متى يتراجع خطوة لينقذ البشرية من الهاوية.

اليوم تطرح مفاوضات دونالد ترامب مع محمد باقر قاليباف فى سياق مختلف، لكنه يحمل أصداء الماضى. فالتوتر بين واشنطن وطهران يتجاوز الملف النووى إلى النفوذ الإقليمى، والعقوبات، والحروب بالوكالة، وأمن الطاقة العالمى. غير أن الفارق الجوهرى يكمن فى طبيعة الخطاب السياسى نفسه.

فى زمن كينيدى وخروتشوف، كانت اللغة أداة احتواء، توزن كلماتها بميزان دقيق، لأن زلة اللسان قد تتحول إلى صاروخ. أما فى زمننا، فكثيراً ما تحولت اللغة إلى أداة ضغط واستعراض وتهديد علنى. الرسالة التى كانت تكتب على مهل، صارت تطلق عبر الشاشات والمنصات فى دقائق، بما تحمله من انفعال وسوء تقدير.

وثمة فارق آخر أشد خطورة: لقد تفاوض قادة 1962 وهم يشعرون بأن نهاية العالم احتمال واقعى فى كل ساعة. كانوا يعلمون أن خطأ واحداً، أو قراراً متسرعاً، قد يفتح باباً لا يغلق. لذلك دخل الخوف فى صلب الحكمة، وصار القلق عنصراً من عناصر العقل السياسى. أما كثير من قادة اليوم فيتصرفون كأن التصعيد قابل للضبط دائماً، وكأن الحروب تدار عن بعد بلا أثمان كبرى. وهذا أخطر أوهام عصرنا.

ويبقى درس 1962 صالحاً: لا بد من قناة اتصال مباشرة، ولا بد من الاعتراف بمخاوف الطرف الآخر، ولا بد من تسوية تحفظ الحد الأدنى من الكرامة المتبادلة. فالإذلال لا يصنع سلاماً، والعقوبات وحدها لا تبنى استقراراً، والتلويح بالقوة قد يفرض صمتاً مؤقتاً لكنه لا يؤسس نظاماً دائماً.

إن العالم لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الجبهات المشتعلة، بل إلى رجال دولة يفهمون أن أعظم انتصار قد يكون فى تجنب الحرب لا فى خوضها، وأن القوة ليست فى سرعة الضغط على الزناد، بل فى القدرة على إبقاء الإصبع بعيداً عنه. لقد نجت البشرية مرة برسالة. فهل تنجو برسالة أخرى، أم يترك القرار هذه المرة للنار والدمار والندم؟