قبيل وفاته بسنوات تنبأ الصحفي الكبير الراحل محمد حسنين هيكل بالعدوان الأمريكي - الصهيوني على إيران، كاشفًا الهدف منه، وقائلًا في مقابلة تليفزيونية: "إن أمريكا لا تهتم بالبرنامج النووي، ولكنها تريد تغيير النظام في إيران وايجاد نظام موالٍ لها، والهدف الاحتفاظ بـ"الحزام المطوق للعالم العربي"، والمتمثل في تركيا وإيران بالشمال، وإسرائيل في قلبه، وأضاف: إيران ممكن في حالة ضربها، أن تسبب بمشكلات كبيرة لأمريكا، مشكلات بلا حدود، فإيران تستطيع التحمل لمدة طويلة، وتتحمل الضربة ولا تقع".
حديث هيكل يعيدنا قرابة 5 عقود للوراء وتحديدًا إلى مطلع عام 1979م، الذي سقط فيه حكم أسرة بهلوي بإيران سقوطًا مدويًا ونهائيًا، بثورة قادها آية الله الخوميني من منفاه، ليعود بعدها إلى بلاده معلنًا جمهورية إسلامية، ومنهيًا عقودًا من عمالة الشاه لأمريكا، وما استتبع ذلك من ذهول هز الأوساط السياسية الأمريكية، لسقوط أكبر حليف بالشرق الأوسط، اعتمدت عليه أمريكا لعقود، وزاد الأمر صعوبة أن أعلن النظام الجديد بلا مواربة، وبصريح العبارة عداوته لأمريكا، وربيبتها الدويلة الغاصبة في فلسطين المحتلة، رافعًا شعار: "تحرير الأقصى"، وكان في "عملية مخلب النسر" الفاشلة لإنزال القوات الخاصة الأمريكية (المارينز)، لإنقاذ الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران، ما أوصل العلاقات بين البلدين إلى نقطة الصفر.
وبرغم محاولة أمريكا استمالة النظام الجديد، برفض إيواء الشاه المخلوع، بعدما أدركت استحالة عودته للحكم، إلا أن التوتر استمر لرغبة أمريكا في استمرار الاستحواذ على النفط الإيراني، وعدم التخلى عن وجودها بالمنطقة، وللتنافر الحاد بين إيديولوجية النظامين وأهدافهما.
وطبيعي أن مثل هذا الكلام من كاتب صحفي كبير بحجم هيكل، لم يجيء اعتباطًا، بل بناء على معطيات ومعلومات كثيرة موثوقة، أتاحتها له علاقاته الصحافية والسياسية، ولقاءاته مع مصادر ذات وزن في مختلف أنحاء العالم، وأيضا زيارته لإيران واختلاطه بقيادييها وشعبها ومشاهداته فيها، والتي وضع خلاصتها في كتابيه: "إيران فوق بركان" عام 1951م، و"مدافع آية الله: قصة إيران والثورة" 1982م، ويعد الكتاب الأخير أول كتاب عربي يشرح الثورة الإيرانية بلغة عقلانية، بعيدًا عن السجال الطائفي أو الإيديولوجي، جمع فيه هيكل بين التحقيق الميداني والتأمل الإستراتيجي، معتمدًا على مصادر داخلية إيرانية وغربية، مقدمًا وجهة نظر عربية تتعامل بجدية مع الثورة الإيرانية، دون تبنيها الكامل أو رفضها العدائي، ومفردًا مساحات لتحليل الخطاب الإسلامي الثوري الذي تبناه الخميني، ومقارنًا إياه بالحركات الإسلامية الأخرى، مع تركيز على التحولات الجيوسياسية في الخليج بعد الثورة الإيرانية، فهو لم يكتف بسرد الأحداث، بل قرأها من زاوية أوسع تتصل بمشروع الهيمنة الأمريكية في المنطقة، ومشروع الإسلام السياسي كقوة مضادة.
ولنتأمل الواقع الحالي في ضوء ما استنتجناه من حديث هيكل وكتابيه، فإيران كانت - حين بدأ العدوان - عصية على الإنحناء، عصية على الكسر والاحتواء، تضرب الكيان عبر اذرعتها في لبنان واليمن، فيما دول الخليج العربية المزوعة بقواعد أمريكية كبيرة تطبع، أي كانت إيران – باختصار – عنصر معوق للحلم الأمريكي – الصهيوني بإقامة "حزام مطوق للعالم العربي"، وبرغم قوة نيران التحالف الأمريكي – الصهيوني وكثافته، وما نتج عنها من خراب كبير، ظلت صامدة لأن المعركة بالنسبة لها صارت معركة وجود، والأكثر أنها تسببت للمعتدين في خسائر جمة، لم يسبق أن تعرضا لها.
ومن بداية العدوان ظهر تخبط الرئيس الأمريكي ترامب، إذ قدم مبررات متباينة لعدوانه، فتارة يزعم سعيه لحماية الشعب الإيراني من بطش نظام ظالم، وإقامة نظام ديموقراطي، وأخرى يقول إن النظام الإيراني يمثل تهديدًا للولايات المتحدة، وثالثة يبرر هدفه بمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، ورابعة يشير لطمعه في النفط الإيراني، وخامسة وهي الهدف الرئيسي إسقاط النظام، وإعادة عميل أمريكا ابن شاه إيران للحكم، ، ثم كان أخيرًا الإدعاء بحماية مضيق هرمز وفتحه أمام الملاحة الدولية، برغم أن المضيق أصلًا كان قبل العدوان مفتوحًا للجميع، وهي تبريرات كانت محل استهزاء العالم لإدراكه كذبها، وفي الوقت نفسه لم يقدم ترامب خطة واضحة، أو بالأحرى لم يمتلك خطة لإنهاء الحرب.
إن بداية العدوان كانت رهانًا خاطئًا من ترامب، فاغتيال مرشد أعلى الجمهورية الإسلامية علي خامنئي وكبار قادته، لم يؤد إلى سقوط النظام وثورة الشعب الإيراني، كما توهم، لكنه أدى إلى التفاف الشعب حتى المعارضة مع حكامه، فترامب لم يفهم ما يمثله المرجع الشيعي الأكبر في المذهب الشيعي، وكيف ينظرون للإمام على أنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وباغتيال خامنئي توحدت صفوف الإيرانيين إلا من الخونة والعملاء، ولم يعد الصدام مع النظام فقط بل صار مع الشعب الإيراني نفسه، وبدلًا من أن يجد المعتدي نفسه أمام نظام مستعد للنقاش والتفاوض، ممثلًا في حكمة علي خامنئي بحكم سنه، جاء بنظام أشد تطرفًا مسلحًا بنار الثأر، متمثلًا في المرشد الجديد مجتبى خامنئي.
أربعون يومًا من الدمار والخسائر لكل الأطراف ومعهم دول الخليج العربية، التي خسرت مئات المليارات، حرب لم تثمر عن مكسب لمن أشعلها بل خسائر، ولم تنجح أمريكا في كسر إيران العصية كما تنبأ هيكل، وسواء نجحت المفاوضات الجارية حاليًا في وقف نهائي لإطلاق النار أو عادت الحرب، فالشيء الوحيد المؤكد أن ترامب خسر في حربه الداخل والخارج، إذ انفض من حوله مؤيدوه، وتداعت فرص حزبه في التخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل، وخسرت أمريكا حلفاءها الغربيين، فأوروبا لن تعود لممارسة دور التابع لسياسة واشنطن، وسوف تستقل برؤيتها وقرارها، ودول الخليج العربية، التي توهمت لسنوات أن القواعد الأمريكية أقيمت لتحميها، أدركت أن هذه القواعد هي لحماية الكيان الغاصب، وبالتأكيد سوف تعيد النظر في أمرها، ونتنياهو لم يحقق حلم شرق أوسط جديد يهيمن عليه.
باختصار إن ترامب بانصياعه لأوامر نتنياهو، وأد الحلم الأمريكي في حزام مطوق للعالم العربي، ونتنياهو بأطماعه أمات حلم الكيان في السيطرة والتمدد في الشرق الأوسط، فأحلام الحليفين تكسرت على صخرة الصمود العظيم للشعب الإيراني.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض