رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

همسة طائرة

لم تعد التهديدات التى تواجه صناعة الطيران المدنى تأتى فقط من الأعطال التقنية أو التحديات التشغيلية، بل باتت السماء نفسها ساحة مفتوحة لصراعات جيوسياسية معقدة، تتقاطع فيها المصالح العسكرية مع الممرات الجوية المدنية، فى مشهد يعيد طرح سؤال جوهرى: من يحمى الطيران عندما تشتعل الأجواء؟.. القرار الأخير الصادر عن مجلس منظمة الطيران المدنى الدولى «الإيكاو» خلال دورته (237)، لم يكن مجرد إدانة دبلوماسية عابرة، بل يمثل نقطة تحول فى طريقة تعامل المجتمع الدولى مع التهديدات غير التقليدية التى تطال سلامة الطيران. فحين تُستخدم الصواريخ والطائرات بدون طيار فى نطاقات جوية مدنية، فإننا لا نتحدث عن خرق تقنى، بل عن انهيار محتمل لقواعد الأمان التى بُنى عليها النظام الجوى العالمى منذ توقيع اتفاقية شيكاغو.
<< يا سادة.. الخطورة هنا لا تكمن فقط فى طبيعة الهجمات، بل فى توقيتها وسياقها الجغرافى. فالشرق الأوسط يُعد أحد أكثر الممرات الجوية ازدحامًا وحيوية فى العالم، حيث تمر عبره يوميًا آلاف الرحلات التى تربط بين الشرق والغرب. وأى اضطراب فى هذه المنطقة لا يبقى محليًا، بل يمتد أثره فورًا إلى الشبكة العالمية للنقل الجوى، كما حدث بالفعل مع إغلاق مجالات جوية وتحويل مسارات طائرات، بما رفع التكاليف التشغيلية وأطال أزمنة الرحلات، وأعاد إلى الواجهة سيناريوهات كانت تُعد استثنائية.
<< يا سادة.. ما يلفت الانتباه فى القرار أيضًا، هو استناده الصريح إلى نصوص قانونية واضحة، خاصة ما يتعلق بسيادة الدول على مجالها الجوى، وهو مبدأ راسخ فى القانون الدولى. لكن الأهم، هو الإشارة إلى المادة (3 مكرر) من الاتفاقية، والتى تحظر استخدام الأسلحة ضد الطائرات المدنية. هذه المادة، التى وُضعت فى سياق تاريخى مختلف، تعود اليوم لتكون فى قلب اختبار حقيقى، فى ظل تطور أدوات الحرب وظهور الطائرات المسيّرة كفاعل رئيسى فى النزاعات.
<< يا سادة.. الرسالة التى بعث بها مجلس منظمة الطيران المدنى الدولى «الإيكاو» تتجاوز حدود الإدانة، لتؤكد أن الصمت الدولى لم يعد خيارًا، وأن أمن الطيران لم يعد شأنًا فنيًا فقط، بل بات قضية سيادية وأمن قومى للدول. كما أن إحالة القرار إلى الأمم المتحدة تعكس إدراكًا بأن التهديدات الحالية تتطلب استجابة متعددة الأطراف، تتجاوز الإطار الفنى إلى المستوى السياسى والدبلوماسى.. لكن، ورغم هذا الحراك، يظل التحدى الأكبر قائمًا فهل تملك المنظومة الدولية الأدوات الكافية لردع مثل هذه التهديدات قبل وقوعها، أم أنها لا تزال تتحرك فى إطار رد الفعل؟
<< الإجابة يا سادة ليست سهلة، خاصة فى عالم تتسارع فيه وتيرة النزاعات، وتتداخل فيه الاستخدامات المدنية والعسكرية للتكنولوجيا إلا أن ما يمكن تأكيده هو أن المرحلة المقبلة ستفرض إعادة تعريف شاملة لمفاهيم أمن الطيران، بحيث لا تقتصر على التفتيش والرقابة داخل المطارات، بل تمتد لتشمل إدارة المخاطر فى المجال الجوى نفسه.
<< همسة أخيرة
<< يا سادة.. فى النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن الطائرة التى تعبر السماء، لا تحمل فقط ركابًا، بل تحمل ثقة العالم فى أن هناك نظامًا يحميها.. وحين تهتز هذه الثقة، يصبح الخطر أكبر من أى صاروخ.