عندما سيطر الصليبيون على أرض الشام، واستوطنوا القدس الشريف، أرادوا أن يمتد نفوذهم إلى مصر مستغلين ضعف الدولة الفاطمية، فهي دائما درة التاج ومطمع كل الغزاة فأعدوا العدة بجيش جرار، وقصدوا أرض مصر من بوابتها الشرقية "سيناء" ١١١٨م بقيادة بولدوين وما إن وصلت طلائع الجيوش الصليبية إلى مشارف سيناء أغارت عليهم مجموعات المقاومة من بدو سيناء، وأنزلوا بهم خسائر فادحة، فهم مدربون على حرب العصابات، وأصابوا قائدهم بجرح غائر بطعنة خنجر، ولكنهم استمروا في طريقهم لفتح مصر وهو الطريق الساحلي المعروف من رفح إلى العريش إلى بئر العبد، ثم إلى الفرما وهي المنطقة التي تقع شرق بورسعيد حيث كان الفرع البالوزي للنيل، ومنها إلى القنطرة وطوال هذه الرحلة كانت مجموعات البدو من القبائل التي تمتد على نقاط عدة تهاجم الغزو الصليبي وعندما وصلوا إلى الفرما كان قد وصل التسمم ذروته بقائدهم بولدوين، إثر الطعنة فقرر العودة بعد أن أحرق الفرما تماما وفي طريق العودة تدهورت حالته ولاقى حتفه، وتم دفنه في منطقه قرب العريش أطلق عليها اسمه، ولكن الكلمة تحورت مع الوقت وأصبحت بردويل وهي منطقة بحيرة البردويل التي تجود الآن بأعلى أصناف الأسماك جودة، والتي هي أحد مصادر الدخل القومي وطاقة رزق لجيش من الصيادين وأسرهم من أهلنا في سيناء.... وفي رواية أخرى أنه أصيب بالحمى وتسمم ومات ودفن في نفس المنطقة ثم نقلت رفاته فيما بعد إلى كنيسة القيامة …..كانت هذه أحد حكايات الأستاذ توفيق الشريف لي ... وامتد بنا الحديث إلى حكاية أخرى حيث اجتمعت القوى الغربية بقيادة إنجلترا لكسر شوكة الدولة أو الإمبراطورية التركية في الحرب العالمية الأولى فقد استطاع القائد الجنرال اللمبي، بمساعدة لورانس العرب وهو شخصية محورية أثناء الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين... تمكنوا من تجييش الممالك العربية ضد الأتراك، ولكن الجزء الوحيد الذي لم يستجب لهذه الدعوة هي سيناء... بدوها وحضرها فقد كانوا يكنون إلى السلطان التركي شيئا من التقدير، لأنه ساعدهم عندما جاء بعض من اليهود وحاولوا بناء أول مستعمرة لهم في سيناء قرب جبل الطور فاستعانوا بالخديوي، ليقوم بمنعهم فلم يستجب، وطلبوا من المندوب السامي البريطاني منعهم فلم يعرهم اهتماما، ولجأوا بوفد إلى الباب العالي فوجه لهم إنذارا بطردهم بالقوة ... لذا حفظ مشايخ سيناء له الجميل، ولم يستجيبوا لدعوة لورانس العرب ... والأروع من ذلك أن ان رهبان دير سانت كاترين، منعوا القائد الإنجليزي اللمبي من زيارة الدير، وأرسلوا إليه أنه غير مرغوب فيه لدى القبائل المحيطة، وأنه لو أصر على ذلك فسوف يفسد العلاقة بينهم وبين أهل المكان الذين يتولون حمايتهم ويعيشون معهم... وبالفعل انصاع للطلب ولم يتمم الزيارة.. وبعد أن انتصرت بريطانيا العظمى في الحرب وانكسرت شوكة الأتراك، قاموا بالقبض على عم الأستاذ توفيق الشريف، الشيخ خليل وبعض من شيوخ العائلات والقبائل وحكموا عليهم بالإعدام وفر والده إلى بطون الجبال، وقد قاموا بترحيلهم إلى بئر السبع، لتنفيذ الحكم ولولا تدخل الأمير عبدالله الأول ابن الشريف حسين، والذي أصبح فيما بعد ملكا على شرق الأردن... حيث أقنع قادة الإنجليز أن هؤلاء بدو رحل، ولم يتلقوا تعليما فهم لم تكن لديهم الرؤية واضحة، وأن إعدامهم سوف يشكل جبهة استنزاف لكم وعداء، أنتم في غنى عنه فاستجابوا وأفرجوا عنهم .... هكذا هي الحكايات المنسية عن أجدادنا في سيناء الأبية، التي لم ترضخ يوما لا لعدوان ولا لابتزاز، وضحى أبناؤها بكل مرتخص وغال من أجل الكرامة ....هم من رفضوا بيع متر للخواجة شمعون الذي أتى ليسكن بينهم قبل قرار التقسيم ١٩٤٧ والذي كان مشهورا بلبس الكاسكتة واستأجر بيتا وحاول أن يستميل أي من شيوخ القبائل أو كبار العائلات ليشتري بيتا أو أرضا يقيم عليها بناءً، فرفضوا برغم طول إقامته ومراوغته واستخدام كل الحيل ولكنه فشل في وضع بصمة أو طوبة فحمل عصاه ورحل...فليس غريبا مادار ومايدور طوال قرابة قرن من الزمان من محاولات إسرائيل بسط نفوذها على سيناء أو إثارة القلاقل ..المهم أن تظل على صفيح ساخن حتى يتحقق أمل العودة إلى أرض الأجداد كما يسمونها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض