رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

«يا خبر!»

العلاقة بين واشنطن وحلف شمال الأطلسى «الناتو» فى أسوأ مراحلها الآن وربما تسير الأمور نحو خروج الولايات المتحدة فعليا من الحلف, خلال الأسابيع القادمة وخاصة بعد تعاطى الناتو مع حرب إيران بمستو لم يرق للرئيس ترامب الذى أدان هو ووزير خارجيته ماركو روبيو، ووزير الحرب بيت هيجسيث بشدة رفض الدول الأوروبية السماح للطائرات الأمريكية مؤخرا باستخدام قواعدها العسكرية لدعم الهجمات على إيران, حيث انضمت إيطاليا لكل من فرنسا وإسبانيا فى فرض قيود عسكرية على واشنطن، إذ رفضت روما هبوط طائرات أمريكية فى قاعدة «سيجونيلا» بصقلية، فى حين منعت باريس عبور الإمدادات العسكرية المتجهة لإسرائيل عبر أجوائها, وأعلنت مدريد إغلاق مجالها الجوى ومنع استخدام قواعدها فى أى عمليات تتعلق بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تجنباً للانجرار إلى المواجهة المحتدمة وهو ما أثار امتعاض الإدارة الأمريكية, تصاعد الخلاف بين بروكسل وواشنطن بهذه الوتيرة قد يؤدى بشكل نهائى إلى قطع العلاقات، مما قد يضعف القدرة الدفاعية المشتركة ويعطل خطط الرد السريع على أى تهديد إقليمى، وحال خرجت واشنطن من الحلف الذى يدعم الأمن الأوروبى منذ عام 1949، سيفقد قوته وقد ينتهى به الأمر إلى التفكك مما يدمر أهم تحالف عسكرى فى التاريخ الحديث.
إن انسحاب محتمل للولايات المتحدة من نشر قواتها قد يدفع الدول الأوروبية إلى البحث عن استراتيجيات دفاعية مستقلة، وربما تعزيز التعاون الأمنى مع تركيا والدول الإقليمية لضمان استقرار المنطقة، فى الوقت نفسه، يمكن أن يؤدى هذا الصراع إلى تقوية النفوذ الروسى والصينى فى المنطقة، إذ قد يحاولان استغلال الفراغ الاستراتيجى الناتج عن ضعف الناتو لتوسيع تأثيرهما.
تجربة الحرب مع إيران بالنسبة لواشنطن كانت كاشفة لأهمية الحلف لها من عدمه، قال وزير الخارجية الأمريكى مارك روبيو فى مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» الأمريكية يوم الثلاثاء الماضى أن بلاده بصدد مناقشة جدوى الحلف بالنسبة لها فى ضوء التطورات الأخيرة، قائلا: «لا شك للأسف، بأنه بعد انتهاء هذه الحرب، سيتعين علينا إعادة النظر فى تلك العلاقة وإعادة تقييم الفائدة التى يمثلها الناتو لبلادنا.
ترامب من جانبه وصف الحلفاء الأوروبيين بالجبناء وأنهم نمر من ورق، لتقاعسهم عن المساعدة فى إعادة فتح مضيق هرمز، الممر الحيوى للطاقة الذى أغلقته طهران بعد وقت قصير من اندلاع الحرب على إيران فى 28 فبراير الماضي, وقالها ترامب صراحة لصحيفة التليجراف البريطانية قبل يومين بأن انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسى (الناتو)، أصبح أمرا لا رجعة فيه.
توتر العلاقات عبر الأطلسى ليس وليد ظروف حرب إيران فقط بل بدأ مع الأيام الأولى للرئيس ترامب فى السلطة خلال ولايته الثانية, حيث وجه فى أكثر من خطاب انتقادات إلى الحلف وأجبر الدول الأوروبية على زيادة الإنفاق الدفاعى بشكل كبير، وفرض رسوم جمركية باهظة على صادرات الاتحاد الأوروبى، وهدد مرارا وتكرارا بغزو جرينلاند، وهى منطقة دنماركية تتمتع بحكم شبه ذاتى، وعضو فى الناتو, وما فعلته الحرب الأمريكية ضد إيران أنها زادت من حدة هذا التوتر وعمقت الفجوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، وجعلت استمرار الناتو ذى السبع والسبعين سنة تحديا أوروبيا كبيرا.
فى تصورى أن حسابات الرئيس ترامب ووزير خارجيته بالنسبة للانسحاب المحتمل من الناتو غير دقيقة, وحديثهما عن أن الحلف بلا فائدة لواشنطن كلام مغلوط، فواشنطن تعتمد بشكل كبير على الحلفاء الأوروبيين فى القواعد العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية والدبلوماسية, ولا يمكن الارتكان إلى موقف الناتو من الحرب على إيران كمقياس عام، فأوروبا بالفعل تقدم للولايات المتحدة ميزات خاصة فى مجال الخبرة الدبلوماسية على أرض الواقع وليس الصراع مع إيران، والعلاقات مع الحوثيين ببعيدة عن هذه الميزات وكذلك تتيح أوروبا لواشنطن العمل بمصداقية فى سياقات ثقافية معينة.
على مستوى الداخل الأوروبي، من المرجح أن يشهد الرأى العام نقاشا حادا حول الاعتماد على الشريك الأمريكى مقابل تطوير سياسات دفاعية مستقلة، ومن المتوقع أن تزداد الضغوط على الحكومات الأوروبية لإعادة تقييم ميزانياتها الدفاعية وتعزيز قدراتها الذاتية على صعيد المعلومات وتطوير أنظمة الدفاع الحديثة، وقد تشهد نشوء حركات سياسية جديدة تركز على الاستقلال الاستراتيجى لأوروبا.