رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

بين الدعاء وروح المقام

رحلة إلى غرفة رأس الحسين

بوابة الوفد الإلكترونية

فى صباح قاهرى معتاد، صحا المصريون على الدعاء الذى صدح به الشيخ محمد هاشم إمام مسجد «الفتاح العليم» حين قال: «للهم بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر الكامن فيها.....»، فانطلقت موجة من التساؤلات بعضها صحيح النية والآخر معطوب. كان أغلبها على نحو، هل نحن أمام صيغة شيعية من التوسل، واستدعاء لرمزية دينية مختلفة؟ أم هو مجرد جذر تاريخى للدعاء يمتد عبر قرون؟ وبدا دعاء الامام كأنه مفتاح لبوابة يتقاطع فيها الروحانى مع الموثق، ويتداخل فيها الإيمان الشعبى مع السرد السياسى. ولتعود من خلاله، رمزية آل البيت إلى الواجهة، لا بوصفها حضوراً دينياً فحسب، بل كقوة ناعمة تؤثر فى الوجدان الجمعى. ومن هنا تبدأ رحلتنا، محاولة استقصائية للبحث فى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل فى الوعى المصرى الدينى، هل يرقد رأس الإمام الحسين فى ضريحه بوسط القاهرة الفاطمية حقاً؟ 

لنتتبع ذلك الخيط الحريرى فى رحلة بين الوثيقة والحكاية، بين ما تقوله كتب التاريخ وما يترسخ لدى المصريين، ووصولاً إلى قلب المقام ذاته.

فى حى الحسين، حيث تتجاور المآذن مع ضجيج الأسواق، ويقف الجامع الأزهر شاهداً على قرون من التاريخ، بدأت الرحلة. ولم تكن زيارة دينية، بل محاولة لفهم ما وراء هذا المكان، وسؤال ما الذى يجعل رمزاً دينياً مهماً كضريح الحسين يحمل كل هذه الأسئلة، وكل هذا الجدل؟ لماذا لم تكن الإجابة ببساطة، نعم، رأس الحسين هنا!!!

كل خطوة نحو المسجد كانت مشبعة بإحساس خاص، كأن الدعاء الذى أثار الجدل لا يزال يتردد فى الأجواء، رابطاً بين زمنين، حاضر مضطرب، وماضٍ أكثر اضطراباً. بدا المكان حياً، يتنفس، وكأن الزوار لا يأتون فقط للصلاة، بل ليشهدوا استمرار روح يحملها المقام، ومكانة منحتها له استجابة الدعوات.

عند بوابة النساء، يسود هدوء مدهش رغم الزحام الشديد. فالإحصائيات تؤكد أن أعداد الزائرين للمقام فى الأيام التى تلت دعاء الإمام محمد هاشم، جاءت غير مسبوقة. جلست لبعض الوقت، أراقب المصليات وهن يضعن أيديهن على الضريح، يدعين، يهمسن بأسماء أحبائهن، بيقين يملأ عيونهن لا يمكن وصفه بالكلمات، كن يمررن بخطوات متأنية، يتبادلن السلام، بينما تتسلل همسات الدعاء فى كل مكان، بدا الزمن مختلفاً، متوقفاً ولاهثاً فى آن. 

لكن خلف هذه الحالة الروحية الطيبة، مازال الجدل التاريخى للمقام يقف معقداً. وبينما يحظى مرقد جسد الإمام الحسين بالعتبة الحسينية فى كربلاء بإجماع تاريخى بوصفه موضع دفنه، تتعدد الروايات حول الرأس الشريف بين أكثر من موقع، أبرزها مسجد الحسين هنا فى القاهرة، والجامع الأموى فى دمشق، إضافة إلى الضريح الذى يسكن عسقلان.

تذكرت وقتها أن مصادر كثيرة روت أن الرأس الشريف نقل من عسقلان إلى القاهرة فى صندوق مذهب، استقبله المصريون بحفاوة، بعدما حمله الفاطميون خوفاً عليه من الصليبيين هناك، ليحفظ فى قلب العاصمة، غير أن هذه الرواية على الرغم من ثبوتها شعبياً، لم تسلم من التشكيك التاريخى، حين أشار عدد من كبار المؤرخين، مثل ابن كثير وابن تيمية، إلى افتقارها للأدلة الموثقة، بل ذهب بعضهم إلى أن الصندوق المحمول من عسقلان إلى القاهرة كان ذا طابع رمزى، لا يتجاوز سعى الدولة الفاطمية لتعزيز شرعيتها السياسية والدينية فى مصر، وترسيخ ارتباطها بآل البيت، وجعل القاهرة مركزاً روحانياً جاذباً لمحبيهم. 

بدأت أسأل عن الغرفة السفلية للمقام، المكان الذى من المفترض أنه يحتوى على الرأس الشريف، قال أحد المجاورين: سمعت كثيراً أن الجدران فيها ضيقة والزخارف دقيقة، وكل قطعة خشبية وكل حجر محفورفيها بعناية. 

لكن الأمر لن يقف هنا، فقد ازداد الجدل تعقيداً مع شهادات حديثة، كان على رأسها رواية الشيخ منصور الرفاعى عبيد، وكيل وزارة الأوقاف الأسبق، والذى تحدث فى لقاء تليفزيونى مازال محفوظاً عن نزوله إلى الغرفة أسفل الضريح فى ثمانينيات القرن الماضى، ضمن لجنة شكلت بقرار من الرئيس الأسبق حسنى مبارك، للتحقق من وجود رأس الحسين فى المكان المقصود، وأكد «الرفاعى» على أنهم وجدوا صندوقاً خشبياً، بداخله الرأس بالفعل ملفوفاً فى حرير أخضر، وتفوح منه رائحة مسك قوية. ورغم أهمية هذه الشهادة وحداثتها، فإن الضعف قد طالها أيضاً، لأنها لم توثق رسمياً، وكان رد المؤيدين لتلك الشهادة، بأن المهمة قد أحاطتها السرية لما لها من قدسية، ولذلك لم يتم توثيق أو تصويرأى خطوة فى هذه المحاولة. 

وبعيداً عن هذا الجدل التاريخى، يظل لمقام الحسين فى وسط القاهرة منطقه الخاص، حيث لا تقاس الحقيقة بما كتب، بل بما يعاش. وهنا تتجلى المفارقة بوضوح، الإيمان يقول: «الحضور محسوس، وإن قال العلم: «لا دليل قاطع». ففى هذا المقام، لا يبحث الزائر عن برهان، بل عن شعور، عن لحظة اتصال بشىء أكبر من الواقع، وأعمق من الدليل المادى، ورمزية تتجاوز حدود الجغرافيا، فلا تقف رمزية الإمام الحسين عند حدود القاهرة، بل تمتد عبر المنطقة، لتتجاوز المشهد الإقليمى بمسافات واسعة. 

عند مغادرة المكان، لا تبدو الرحلة قد انتهت، شىء ما يظل عالقاً، رائحة المكان، همسات الدعاء، والأسئلة التى لا تبحث عن إجابات حاسمة. ربما لا تكون الحقيقة فيما يمكن إثباته، بل فيما يظل حياً داخلنا، هنا فى قلب المقام، لا يكون السؤال، هل الرأس هنا؟ بل، لماذا نشعر بأنه هنا؟