رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كبسولة فلسفية

من نصير... حين لا نكون من كنّا؟ كيف نصبح ما نحن عليه حقًا؟ هناك لحظة خفية، وربما مررت بها يا عزيزي القارئ دون أن تسميها، تهزُّ الإنسان من الداخل وتكشف له أن صورته القديمة لم تعد تشبهه. فجأة نشعر أن الحياة أعادت تشكيل ملامحنا بلا استئذان، فنقف أمام سؤال لا يرحم: هل نحن من نصنع ذواتنا، أم نصبح ما صنعته الحياة فينا؟

نأتي إلى الدنيا بهويات خام، طريّة، قابلة لأن تُشكَّل بأول جرح وأول خوف وأول كلمة تركت أثرًا يشبه الندبة. ومع ذلك يظن الكثيرون أنهم ثابتون، بينما الحقيقة أن الإنسان يتغيّر كل لحظة، وأن هويته ليست محطة يصل إليها بل طريق يمشيه ويتبدّل معه. وربما هنا، يا صديقي القارئ، تبدأ أولى علامات اكتشافك لنفسك.

ثم يظهر السؤال الأصعب: ما الذي نختاره فعلًا؟ وما الذي نستسلمه لأنه مألوف؟ أغلب ما نسميه “قراراتنا” مجرد استجابة قديمة لوجع ما زلنا نحمله، أو محاولة لإرضاء أحد زرع رأيه فينا منذ طفولتنا. الفلسفة لا تهديك إجابات جاهزة، لكنها تكشف لك دوافعك وتدعوك لتواجه ما تهرب منه، حتى تلك المساحات التي لم تقترب منها يومًا داخل نفسك. وقد تجد نفسك، يا عزيزي، أمام مرآة لم تكن تجرؤ على النظر إليها.

أن نصبح ما نحن عليه لا يعني أن نتغيّر، بل أن نزيل عنّا ما تراكم فوقنا ولم يكن يشبهنا. أن نخلع الأقنعة التي لبسناها لننجو، والأدوار التي عشناها لأن الآخرين قالوا إنها الأنسب، وأن نجرؤ على الاعتراف بأن ما يليق بنا هو ما يلامس حقيقتنا. التحوّل يبدأ حين نقول بصدق: هذا أنا... وهذا ما لم يعد يشبهني.

لكن هذا الوعي لا يولد دفعة واحدة. إنه يولد في صدفة، في كلمة تهزّك، في موقف يجعل كل شيء داخلك يعاد ترتيبه. لحظة بعد أخرى، يقترب الإنسان من صورته الحقيقية، ولو كان الطريق مليئًا بالتعب والأسئلة. والصراع بين ما كنّا وما نريد أن نصبحه يمنح الرحلة معناها ويجعلها يا صديقي القارئ أعمق مما نتصور.

وفي النهاية، نصبح ما نحن عليه حين نمتلك شجاعة الصدق مع أنفسنا، حين نختار بدافع الحقيقة لا الخوف، وحين نتخلّى عن تلك الشخصيات التي عشناها طويلًا ولا تخصّنا. الهوية ليست لغزًا نحاول حله، بل قصة نكتبها ببطء، وكل يوم نضيف إليها سطرًا جديدًا من حقيقتنا. ويبقى السؤال معلّقًا لك أنت تحديدًا: هل أصبحت فعلًا ما أنت عليه... أم أنك ما زلت ترتدي حياة لا تنتمي لك؟

كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط

[email protected]