إيران واحدة من أقدم الحضارات فى العالم، ولما يقرب من خمسمائة عام، ظلت إيران موجودة على خريطة العالم تقريباً بنفس الحدود، ونادراً ما توجد قوة عظمى فى العالم لم تدخل فى صراع مع إيران، سواء كانوا الرومان، أو العرب، أو المغول، أو الأتراك، أو الروس، أو البريطانيين. فقد حاولت تقريباً كل قوة عظمى غزو إيران، وأحد الأسباب الرئيسية لذلك هو أن إيران تقع عند مفترق طرق العالم، فهى الدولة التى تربط بين أوروبا وأفريقيا وآسيا. اليوم، تشترك إيران فى حدود مع سبع دول، فعلى الجانب الشرقى تحدها باكستان وأفغانستان وتركمانستان، أما على الجانب الغربى فتحدها العراق وتركيا وأرمينيا وأذربيجان. بالإضافة إلى ذلك، تمتلك إيران منفذاً على ثلاثة مسطحات مائية رئيسية: ففى الشمال يقع بحر قزوين، وفى الجنوب يقع الخليج العربى وخليج عمان. وعلى الجانب الجنوبى لإيران توجد واحدة من أهم وأخطر النقاط الاستراتيجية فى العالم، وهى مضيق هرمز. يمر عبر هذا المضيق نحو ٢٠% من إمدادات النفط والغاز فى العالم. ومنذ سبعينيات القرن الماضى، تسيطر إيران على سبع جزر بالقرب من مضيق هرمز، رغم أنها كانت سابقاً تحت سيطرة الإمارات العربية المتحدة. وأيضاً، فى بحر قزوين، تقع جزيرة «آشوراده» تحت سيطرة إيران. وخلال الأربعين عاماً الماضية، كانت إيران تمثل صداعاً كبيراً للعالم الغربى. لكن ما السبب فى أنه رغم امتلاك الدول الغربية جيوشاً قوية واقتصاديات ضخمة، لم تتمكن أى دولة غربية من مهاجمة إيران واحتلالها؟. السبب هو أن كل دولة تعلم أن الهجوم المباشر على إيران قد يؤدى إلى نتائج عكسية خطيرة. وهناك العديد من الأسباب التى تجعل إيران تعتبر دولة يصعب غزوها، وتلعب الجغرافيا دوراً كبيراً فى ذلك. ولكى نفهم جغرافية إيران، يجب معرفة أن على الجانبين الجنوبى والغربى من إيران تقع جبال «زاغروس»، وتمتد هذه السلسلة الجبلية من الساحل الإيرانى وصولاً إلى العراق وحتى حدود تركيا، وهى توفر لإيران حماية طبيعية هائلة. فهذه المنطقة بأكملها وعرة وصخرية جدا، مما يجعل عبورها أمراً بالغ الصعوبة. وقد منحت هذه الجبال إيران ميزة كبيرة خلال الحرب الإيرانية العراقية. فعندما غزا العراق إيران عام ١٩٨٠، كانت خطته السيطرة على إقليم خوزستان الغنى بالنفط، ثم التقدم داخل إيران للسيطرة على المدن الكبرى وعبور الأنهار الرئيسية من أجل السيطرة على البلاد. لكن هذه الخطة فشلت. ففى النهاية تمكنت القوات الإيرانية من دفع الجيش العراقى إلى الخلف، بل تقدمت داخل الأراضى العراقية. ومع ذلك واجهت إيران لاحقاً مشاكل لوجستية خاصة بها. فبينما كانت القوات العراقية تستطيع الحصول على الإمدادات بسهولة من المدن القريبة، كانت القوات الإيرانية تعانى من صعوبات فى خطوط الإمداد لأن معظم مستودعاتها ومدنها الرئيسية تقع على الجانب الآخر من جبال زاغروس. ولهذا السبب، وبعد ثمانى سنوات من الحرب، انتهى الصراع دون نتيجة حاسمة، ولم يتغير حتى شبر واحد من الحدود بين البلدين. وبالمثل، على الجانب الشمالى من إيران بمحاذاة بحر قزوين تقع جبال البرز التى توفر حماية طبيعية من الشمال، ولا تقتصر أهمية هذه الجبال على كونها دفاعات طبيعية فحسب، بل إنها أيضاً غنية بالموارد. فكلتا السلسلتين الجبليتين تحتويان على اليورانيوم والفضة والذهب والزنك. وفى الواقع تمتلك إيران نصيبا من أكبر احتياطيات الزنك فى العالم. وفى القرن العشرين ازدادت أهمية الموقع الاستراتيجى لإيران عندما اكتشفت احتياطيات ضخمة من النفط والغاز بالقرب من الخليج العربى. واليوم تمتلك إيران نحو ١٠٪ من احتياطيات النفط فى العالم و١٥٪ من احتياطيات الغاز الطبيعى. كما أن هناك ميزة دفاعية مهمة أخرى، وهى الساحل الإيرانى الذى يبلغ طوله نحو ٢٥٠٠ كيلومتر والممتد على مسطحين مائيين. وتقع بندر عباس، وهى أكبر ميناء بحرى فى إيران، على بعد نحو ٧٠ كيلومتراً فقط من أحد أهم الممرات البحرية فى العالم، وهو مضيق هرمز. ويعد هذا المضيق أهم ورقة قوة جيوسياسية لإيران. فإذا قامت إيران بإغلاقه باستخدام قواتها البحرية، فقد يواجه الاقتصاد العالمى اضطراباً شديداً، لأن نحو ١٥٪ من إمدادات الطاقة فى العالم تمر عبر هذا الطريق متجهة إلى آسيا وأوروبا.
محافظ المنوفية الأسبق
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض