لم تعد الشائعة مجرد خبر كاذب عابر، لكنها تحولت إلى أداة ضغط ممنهجة تُستخدم فى توقيتات دقيقة، وبأهداف تتجاوز مجرد التضليل، لتصل إلى محاولة إعادة تشكيل وعى المجتمعات، وضرب ثقتها فى ذاتها ومؤسساتها، وفى الحالة المصرية تبدو هذه الحرب أكثر وضوحا، وأكثر ارتباطا بتطورات المشهد الإقليمى المضطرب.
خلال السنوات الأخيرة، ومع كل تصعيد تشهده المنطقة، تتصاعد فى المقابل موجات من الشائعات على منصات التواصل الاجتماعى، تحمل فى ظاهرها تساؤلات، لكنها فى جوهرها رسائل إحباط وتشكيك، تستهدف فكرة الاستقرار ذاتها، وتضرب فى عمق الشعور بالأمان داخل المجتمع المصرى.
هذه الشائعات لا تتحرك بشكل عشوائى، لكنها تأتى متزامنة مع أدوار مصر الإقليمية، خاصة حين تتحرك القاهرة لاحتواء أزمة أو تقريب وجهات النظر بين أطراف متنازعة، هنا تحديدا يبدأ التشكيك، وتُعاد صياغة الوقائع بطريقة انتقائية، بهدف إضعاف صورة الدور المصرى، أو خلق فجوة بينه وبين الرأى العام.
والسؤال الذى يفرض نفسه: لماذا مصر تحديدا؟، الإجابة ببساطة أن مصر تمثل «نقطة ارتكاز» فى معادلة الإقليم، فهى الدولة التى تمتلك القدرة على التواصل مع جميع الأطراف، دون أن تفقد توازنها أو استقلال قرارها، وهذا الدور بطبيعته يزعج قوى تسعى لإعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحها، أو لإطالة أمد الصراعات بدلا من إنهائها.
وفى قلب هذه المعادلة، يبرز الدور المصرى فى إدارة الأزمات، ليس فقط من منظور سياسى، ولكن أيضا من زاوية إنسانية واستراتيجية، فالقاهرة تتحرك دائما وفق مقاربة تقوم على منع الانفجار الشامل، واحتواء التداعيات قبل أن تتحول إلى فوضى ممتدة، وهو ما يتطلب قدرا كبيرا من التوازن والدقة، لكن بالتوازى مع هذا الدور تتصاعد محاولات موازية تستهدف الداخل المصرى، عبر نشر روايات مشوهة أو مبالغ فيها، تركز على الأزمات وتتجاهل السياق، وتضخم التحديات دون الإشارة إلى آليات التعامل معها، والنتيجة المقصودة هنا ليست فقط نشر القلق، بل إضعاف الثقة فى قدرة الدولة على إدارة الملفات المعقدة.
الأخطر من ذلك، أن جزءا من هذه الشائعات يسعى إلى ضرب فكرة «وحدة الصف العربى»، من خلال افتعال أزمات وهمية بين الشعوب، أو تضخيم خلافات سياسية طبيعية، وتحويلها إلى صراعات مجتمعية، وهنا يظهر بوضوح أن الهدف ليس مصر فقط، ولكن فكرة التضامن العربى ككل.
ورغم هذا الضجيج، تظل الحقيقة أكثر رسوخا، فالعلاقات بين الشعوب العربية، خاصة فى لحظات الأزمات، أثبتت أنها أعمق من أن تهتز بفعل حملات إلكترونية، أو حسابات مجهولة، ومصر بحكم تاريخها وموقعها، ستظل فى قلب هذا التماسك، مهما حاولت بعض الأصوات النشاز التشكيك فى ذلك.
فى المقابل، لا يمكن التقليل من خطورة ما يُعرف بـ»حرب الوعى»، وهى المعركة التى لا تُحسم بالبيانات الرسمية فقط، ولكن بقدرة المجتمع نفسه على التمييز بين المعلومة والرواية، بين الحقيقة والانطباع، وبين النقد الموضوعى ومحاولات الهدم المتعمد، وهنا يأتى الدور الأهم وعى المواطن، فكل مشاركة لمعلومة غير دقيقة، حتى بحسن نية، قد تتحول إلى جزء من موجة تضليل أوسع، وكل انسياق وراء خطاب إحباطى، قد يخدم - دون قصد - أهدافا تتعارض مع استقرار المجتمع.
فى النهاية، يمكن القول إن مصر تواجه معركتين متوازيتين: الأولى خارجية، تسعى فيها لاحتواء صراعات معقدة ومنع تمددها، والثانية داخلية، تتعلق بحماية الوعى الجمعى من محاولات التشويه والإحباط، ورغم صعوبة المعادلة فإن التجربة أثبتت أن الدولة المصرية، مدعومة بوعى شعبها، قادرة على تجاوز هذه التحديات، والحفاظ على موقعها كأحد أهم ركائز الاستقرار فى المنطقة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض