الناصية
كنا نسمع زمان فى الراديو عبارة «لم ينجح أحد» عند إذاعة نتيجة الثانوية العامة، وتعنى سقوط كل طلبة المدرسة فى الامتحان، وفى الحرب الأمريكية الاسرائيلية على إيران «لن ينجو أحد ولن ينتصر أحد» وسقوط الجميع فى حرب استنزاف بلا نهاية، كما يحدث فى الحرب الروسية الأوكرانية لا هزيمة ولا انتصار، ولكن استنزاف مستمر.. الحروب أصبحت مثل الأسهم فى سوق البورصة لا تعرف من يكسب ولا من يخسر ولكن استنزاف للأموال حتى الإفلاس!
وأعتقد أن هذه السياسة الاستنزافية للدول والشعوب وضعتها أجهزة المخابرات الغربية بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945، وقد دشنت أمريكا هذه السياسة الجديدة فى الحروب القادمة بضرب اليابان بالقنابل الذرية فى عملية إبادة جماعية لسكان مدينتين بقنبلتين فقط بعد أن كان احتياج مدينة واحدة يحتاج إلى آلاف الجنود ومئات الدبابات وعشرات الطائرات!
ومنذ ذلك الموت الجماعى بلا رحمة وبدم بارد بدأت الدول التخلص تدريجيا من سياسات الدخول فى حروب مباشرة بين الجيوش ومواجهة عسكرى أمام عسكرى، فقد خسرت الدول المحاربة من المحور والحلفاء فى الحرب العالمية أكثر من 50 مليون شخص، ولذلك طوّرت أسلحتها لتكون الحرب من بعيد لبعيد وأونلاين بالمُسيرات والصواريخ العابرة والطلعات الجوية الخاطفة بطائرة أو اثنتين ولم تعد الحرب كما كانت بآلاف الجنود وبمئات الدبابات والمدرعات وبعشرات الطائرات فى الطلعة الواحدة لحسم المعارك، وأصبحت الدول الغربية تتبع سياسة الحروب الاستنزافية لاقتصاد الدولة المستهدفة وإنهاك شعوبها اقتصاديا ونفسيا من الداخل!
وكادت مصر تسقط فى هذه الخطة الاستنزافية بعد العدوان الإسرائيلى فى 67، ولكن أفشلتها بنصر أكتوبر بإرادة فريدة من الجندى المصرى، وبما تبقى من قادة حكماء فى العالم.. ولكن هذه السياسة الاستنزافية عادت مرة أخرى فى نهاية سبعينات القرن الماضى مع الحرب السوفيتية الأفغانية التى استنزفت الدولتين باختفاء الاتحاد السوفيتى وتمزيق أفغانستان وتحويلها إلى أرض خراب، ثم الإجهاز عليها بالغزو الأمريكى لها بعد إسقاط برجى التجارة ليتركوها رهينة لجماعات تتناحر باسم الدين بين طالبان والإخوان والقاعدة والجهاديين حتى آلت إلى طالبان كمزرعة للمخدرات!
واستمرت هذه السياسة مع حرب العراق وإيران التى استنزفت الدولتين حتى النخاع، وكذلك مع الغزو الأمريكى للعراق.. وتوالت خطط استنزاف الدول من الداخل دون أن تسقط مع اليمن وليبيا وسوريا والسودان.. وللمرة الثانية نجت مصر من هذه السياسة والانهيار الداخلى بعدما استولى الإخوان على ثورة الشباب فى 2011.
ولذلك من ينتظر أن تنتهى الحرب الأمريكية الاسرائيلية على إيران بانتصار طرف وهزيمة آخر أبشره لن تنتهى ولن ينتصر فيها أحد ولن ينهزم فيها أحد.. وسيظل الصراع بينهما ولن يتوقف لأن الهدف ليس هزيمة إيران أو نصر أمريكا وإسرائيل ولكن إنهاك المنطقة والدول العربية وشعوبها التى تضطر فى النهاية مرغمة الاختيار بين حلين أحلاهما مُر علقم إما الانحياز إلى أمريكا وإسرائيل وإما إلى إيران وتكون النتيجة سقوط الجميع ولن ينجح أحد!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض