ﻗﺮار وقف الخدﻣﺎت ﻳﺸﻌﻞ الجدل
"اﻟﻨﻔﻘﺔ" ﺧﺎرج اﻟﻌﻘﻮﺑﺎت اﻟﺘﻜﻤﻴﻠﻴﺔ.. وﺧﺒﺮاء: ﺧﻠﻂ ﻗﺎﻧﻮﻧﻰ ﻳﻬﺪر اﻟﺤﻘﻮق
أثار قرار وزارة العدل بشأن تعليق بعض الخدمات الحكومية للمحكوم عليهم فى جرائم الامتناع عن دفع النفقة جدلًا قانونيًا واسعًا، ليس فقط بسبب آثاره العملية، بل أيضًا لما يطرحه من تساؤلات عميقة حول الطبيعة القانونية لهذا الإجراء وحدود السلطة التنظيمية للإدارة فى الدولة القانونية.
تقول المستشارة هايدى الفضالى، رئيسة محكمة الأسرة السابقة، إن هناك خلطًا شائعًا لدى الرأى العام بين أحكام محاكم الأسرة وأحكام محاكم الجنح، موضحة أن هذا القرار لا ينطبق بأى حال من الأحوال على الأحكام الصادرة مباشرة من محكمة الأسرة والتى تظل بمعزل عن هذا القرار، موضحة أن القرار مرتبط حصرًا بالمادة 293 من قانون العقوبات، ففى حال صدور حكم نفقة من محكمة الأسرة ولم يلتزم الزوج بالسداد لمدة 3 أشهر، تلجأ الزوجة لرفع «جنحة عدم تنفيذ حكم نفقة» أمام محكمة الجنح، وهنا فقط يبدأ تفعيل مقتضيات القرار الجديد باعتباره عقوبة تكميلية للحكم الجنائى الصادر من محكمة الجنح.
وحددت «الفضالى» مجموعة من الشروط القانونية الواجب توافرها لتطبيق هذه العقوبات التكميلية، وهى مرور 3 أشهر كاملة على الامتناع عن التنفيذ بعد صدور حكم النفقة، وإخطار المحكوم عليه رسميًا بضرورة تنفيذ الحكم الصادر ضده، وصدور حكم نهائى واجب النفاذ من محكمة الجنح سواء بفوات مواعيد الاستئناف 10 أيام أو بتأييد الحكم فى الاستئناف، وكذلك ثبوت القدرة واليسار لدى الزوج، حيث إن القاضى الجنائى هو قاضى يقين يتحقق من مقدرة المحكوم عليه قبل إصدار حكمه.
وأكدت رئيس محكمة الأسرة السابقة أن القانون يمنح فرصة للتصالح، فبمجرد سداد المبالغ المستحقة للزوجة أو لبنك ناصر الاجتماعى، يتم التصالح وتنقضى الدعوى الجنائية، وبالتالى تُلغى العقوبات التكميلية وتعود الخدمات الحكومية للمواطن بشكل طبيعى، مشددة على ضرورة تحقيق التوازن فى منظومة قانون الأحوال الشخصية، قائلة: «كما نتشدد فى ضمان حق الإنفاق، يجب أن نضمن حق الأب فى الرؤية والاستضافة والمبيت، فالآباء يشعرون بنوع من الظلم، فهم ملزمون بالإنفاق لكنهم محرومون من رعاية أبنائهم فى بيوتهم».
ويقول الدكتور نزيه الحكيم المحامى بالنقض إن القرار فى جوهره، لا يُعد قانونًا جديدًا، بل هو قرار تنظيمى إدارى لتنظيم آثار تنفيذ الأحكام الجنائية الصادرة فى جريمة الامتناع عن دفع النفقة المنصوص عليها فى المادة 293 من قانون العقوبات، وبموجب هذا القرار تُعلق بعض الخدمات الحكومية للمحكوم عليه إذا صدر ضده حكم نهائى بالإدانة وامتنع عن تنفيذ التزامه المالى، وذلك إلى حين سداد النفقة أو تقديم شهادة تفيد براءة ذمته.
وأوضح الحكيم فى حديثه لـ«الوفد» أن القاعدة الدستورية المستقرة تقضى بأن الأصل أن تكون العقوبات محددة بنص تشريعى صادر عن السلطة التشريعية، تطبيقًا لمبدأ الشرعية الجنائية الذى يقوم على قاعدة «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص»، ومن ثم فإن أى إجراء ينطوى على حرمان المواطن من حقوق أو مزايا عامة يجب أن يستند إلى أساس قانونى صريح يجيزه ويحدد نطاقه، ومن ثم فهنا يكون السؤال حول مدى اتساع سلطة الوزير فى إصدار مثل هذا القرار.
وتابع: الوزير يملك بلا شك سلطة تنظيم المرافق العامة وإدارة الخدمات الحكومية، غير أن هذه السلطة التنظيمية لا تمتد إلى إنشاء قيود تمس الحقوق العامة للمواطنين ما لم يكن ذلك مستندًا إلى تفويض تشريعى واضح، فالسلطة التنظيمية بطبيعتها سلطة تنفيذية، وظيفتها تنفيذ القوانين وتيسير تطبيقها، لا ابتكار قواعد جديدة تمس مراكز قانونية جوهرية، كما أن القرار يثير مسألة أخرى تتعلق بازدواج الجزاء، إذ إن جريمة الامتناع عن دفع النفقة لها بالفعل عقوبات محددة فى قانون العقوبات، وعليه فإن تعليق الخدمات الحكومية قد يُفهم على أنه جزاء إضافى يضاف إلى العقوبة الجنائية الأصلية، وهو ما قد يفتح باب النقاش حول مدى توافق هذا الإجراء مع مبدأ التناسب فى الجزاء.
ولفت إلى أنه من الممكن أن يكون تدافع الإدارة نحو هذا القرار باعتباره ليس عقوبة جديدة، بل وسيلة إدارية لحث المحكوم عليه على تنفيذ حكم قضائى واجب النفاذ، خاصة أن الهدف منه حماية حقوق الزوجة والأبناء وضمان وصول النفقة إليهم، وهى اعتبارات اجتماعية وإنسانية لا يمكن إغفالها.
ويؤكد المحامى أحمد عبدالمنعم على المحامى بالاستئناف العالى، أن هذا القرار يمكن وصفه بأنه «بلا جدوى»، فهو لم يعالج أو يضيف حلولًا للعديد من الحالات، مثل أن يكون الحكم بالحبس طبقا لنص المادة 293 غيابيًا، فلا ينطبق عليه القرار، وبالتالى يظل المتهم حر لسنوات حتى سقوط الحكم، أو أن تكون الأحكام بنفقات كالمتعة أو المؤخر مثلًا ما يصعب الجبر أو الحبس فى تنفيذها لم يشملها القرار.
وأضاف المحامى أحمد عبدالمنعم فى حديثه لـ«الوفد»: كنا نتمنى أن يُمنع ذلك كله عن الصادر ضده حكم حبس أولى ولو كان من محكمة الأسرة أو الجنح حرصًا على توفير المشقة أسوة بدول الخليج التى سبقتنا إلى ذلك، فالمادة 293 من الأصل تحتاج للتعديل التشريعى وكذلك مواد قانون الأسرة فى شأن تنفيذ الأحكام.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض