رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

حكايات من دولة التلاوة المصرية

الشيخ عبدالباسط عبدالصمد حكاية المجد الذى عبر الحدود

بوابة الوفد الإلكترونية

فى تاريخ دولة التلاوة المصرية أصوات كثيرة جميلة، لكن قلة منها تحولت إلى ظاهرة عالمية، وكان صوت الشيخ عبدالباسط عبدالصمد فى مقدمة تلك القلة؛ صوتٌ لم يعرف الحدود، وانتقل من القرى والنجوع إلى عواصم العالم، حاملاً معه روح القرآن قبل حروفه. فى فصل سيرته من كتاب مائة عام من حكايات المشايخ والسميعة تتجلى رحلة قارئٍ لم يكن مجرد صاحب حنجرة ذهبية، بل صاحب رسالة جعلت من التلاوة لغة يفهمها الجميع.

بدأت الحكاية من بيئة صعيدية بسيطة، حيث تشكّلت ملامح الموهبة مبكرًا، وكان الحفظ المتقن والقدرة على الأداء العاطفى أول مفاتيح التميّز. ومع انتقاله إلى القاهرة، انطلقت شهرته سريعًا، خصوصًا بعد اعتماده فى الإذاعة، لتصبح تلاواته جزءًا من الوجدان المصرى والعربى، وليتحول اسمه إلى مرادف للجمال الصوتى فى قراءة القرآن.

لم يكن سرّ تأثيره فى جمال الصوت وحده، بل فى ذلك التوازن النادر بين القوة والصفاء، وبين الهيبة والحنان فى الأداء. كان  يمتلك قدرة فريدة على أن يجعل المستمع يعيش الآية إحساسًا لا سماعًا فقط، حتى غدا صوته بوابةً للخشوع لدى ملايين  المستمعين حول العالم.

ومع اتساع شهرته، صار سفيرًا للتلاوة المصرية فى المحافل الدولية، فكانت رحلاته الخارجية لحظات اكتشاف جديدة لعظمة  الصوت القرآنى، حيث اجتمع حوله مستمعون من ثقافات مختلفة، يجمعهم تأثير واحد: رهبة الجمال وصدق الأداء. وهنا تحولت التلاوة من فن محلى إلى رسالة عالمية، وكان هو أحد أبرز وجوهها.

وقد تحدث الشيخ عبدالباسط نفسه عن أشهر سفرياته وكانت إلى جنوب إفريقيا؛ حيث قطع راديو جوهانسبرج بجنوب أفريقيا  برامجه فجأة ليعلن للمواطنين هناك هذا النبأ: «أيها المواطنون نأسف لقطع برامجنا الآن.. ويسرنا أن نعلن إليكم الآن وصول الشيخ عبدالباسط عبدالصمد المقرئ الرسمى للجمهورية العربية المتحدة.. وفى استقباله الآن وفد رسمى وشعبى بالمطار».

لقد ترك الشيخ عبدالباسط إرثًا يتجاوز التسجيلات، إرثًا من الإحساس العميق بأن القرآن يمكن أن يُقرأ فيبلغ القلب مباشرة، وأن الصوت حين يقترن بالإخلاص يتحول إلى ذاكرة جماعية لا تزول. لذلك بقى حضوره حيًّا، وبقى صوته معيارًا للجمال ودليلًا على أن التلاوة ليست أداءً فنيًا فحسب، بل تجربة روحية كاملة.

إن سيرته ليست فقط قصة قارئ عظيم، بل قصة زمنٍ أدرك فيه الناس أن للصوت رسالة، وأن قارئًا واحدًا يمكن أن يصبح  جسرًا بين الشعوب، يوحّدها حول جمالٍ لا يحتاج إلى ترجمة جمال القرآن.