رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

صفعة لـ«تعدد الأقطاب» وإعادة رسم خريطة النفوذ العالمية

موسكو وبكين تراقبان هيمنة واشنطن العسكرية

بوابة الوفد الإلكترونية

فى مشهد أعاد تشكيل ميزان القوى خلال لحظات، لم تكن الضربة التى هزت العاصمة الإيرانية طهران مجرد عملية عسكرية ناجحة، بل كانت إعلانا لتغير خريطة القوى العالمية، ففى غضون الـ 60 ثانية الأولى من «عملية الغضب العاصف»، التى أعلنت إسرائيل مسؤوليتها عنها، قضت صواريخ موجهة بدقة على رأس الهرم فى إيران، آية الله على خامنئى، مع أبرز قيادات الحرس الثورى، لتطوى بذلك نصف قرن من الحكم الثيوقراطى فى إيران.

وتخطى تأثير العملية العمق الإيرانى، بل امتد ليعيد تسليط الضوء على مدى القوة العسكرية الأمريكية فى النظام الدولى، فى وقت يتزايد فيه الحديث خلال السنوات الأخيرة عن عالم متعدد الأقطاب وصعود قوى دولية منافسة لواشنطن.

غير أن المشهد الذى تلا العملية العسكرية فى طهران كشف هشاشة هذه النظرية أمام واقع القوة العسكرية المطلقة

ووجهت هذه الضربة رسالة واضحة إلى العواصم الكبرى، خصوصًا موسكو وبكين، مفادها أن الحديث عن «عالم متعدد الأقطاب» لا يزال نظرة غير واقعية، فعلى الرغم من أن العقدين الماضيين، برز صعود قوى جديدة استطاعت، عبر أدواتها الاقتصادية والتجارية، أن تنافس الهيمنة الأمريكية، فظهرت الصين كعملاق صناعى وسيطرت على سلاسل التوريد الحيوية، إلى جانب تعاظم دور قوى إقليمية كروسيا فى الشرق الأوسط وأفريقيا، عزز نظرية أن العالم لم يعد أحادى القطب، ولكن مع التطور فى الأحداث ومحو أهم حليف استراتيجى لكل من موسكو وبكين فى المنطقة، ووجدت العاصمتان نفساهما عاجزتين عن تقديم أى رد فعل فعال سوى البيانات والإدانات، خاصة فى ظل غياب دعم عسكرى مباشر لإيران خلال الأزمة.

وتعد إيران بالنسبة لموسكو شريك أساسى فى توفير الطائرات المسيرة والذخائر التى استخدمتها فى حرب أوكرانيا، إضافة إلى كونها ممرًا حيويًا للتنسيق مع قوى إقليمية أخرى، أما بالنسبة لبكين، فتمثل إيران حلقة رئيسية فى مشروع «الحزام والطريق»، ومصدرًا مهمًا للطاقة، وجزءًا من تحالفاتها الرامية لتقويض النفوذ الأمريكى، وسقوط هذا الحليف بهذه السرعة يطرح تساؤلات عميقة حول قيمة التحالفات الاستراتيجية فى غياب القدرة على حمايتها.

ما حدث فى سماء طهران هو درس جيوسياسى قاسٍ للقوى الصاعدة، بينما يمكن للثقل الاقتصادى أن يبنى نفوذًا على المدى البعيد، إلا أن القوة العسكرية الحاسمة لا تزال هى النقطة الفاصلة فى الأزمات، ففى لحظة الحسم، يبدو أن العالم لا يزال يدور فى فلك من يملك القدرة على توجيه الضربة الأكثر إيلامًا.

واثبتت الولايات المتحدة، عبر ذراعها الإسرائيلى، أنه بغض النظر عن حجم التحديات الاقتصادية الداخلية أو الانسحاب من الاتفاقات الدولية، فإن قبضتها على مقاليد القوة العسكرية الفائقة لا تزال قادرة على تغيير معادلات إقليمية بأكملها، بينما موسكو وبكين، اللتان راهنتا على تآكل الهيمنة الأمريكية، تجدان نفسيهما اليوم على الهامش، تتفرجان على حليفهما الاستراتيجى يُباد بينما تدركان أن معركة إعادة تشكيل النظام العالمى لا تزال فى بدايتها.