كل حدث فى المنطقة فرصة ذهبية لهم
سماسرة الحروب يشعلون الأسعار
أثناء الحروب والأزمات العالمية يبرز عدد كبير من المستفيدين الذين يحولون المعاناة والاضطراب إلى فرصة لتحقيق مكاسب شخصية، من رفع أسعار السلع الأساسية إلى المضاربات فى الأسواق، ويجد المواطن نفسه أمام زيادات متتالية فى سلع أساسية، وهذا ما حدث مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية حين قفزت أسعار القمح والطاقة والنقل عالميا، وانعكس ذلك بشكل سريع على الأسواق المصرية، حتى قبل أن يحدث أى نقص فعلى فى المواد الغذائية، وهو ما يؤكد وجود ما يسميه خبراء الاقتصاد بـ «سماسرة الحروب» وهم أطراف لا يشاركون فى النزاع مباشرة، لكنهم يحسنون قراءة المشهد ويستفيدون من حالة القلق فى السوق، حيث يقومون بتخزين السلع انتظارا لارتفاع السعر، بالإضافة إلى إجراء بعض المضاربات التى تسبق القرارات الرسمية، لتتحول أزمات العالم إلى أرباح شخصية على حساب المواطنين.
ومن جانبه قال الدكتور ياسر حسين سالم الخبير الاقتصادى إن الحروب الإقليمية والدولية تؤثر سلبًا على الاقتصاد المصرى، مؤكدًا أن أى هجوم أو تصعيد عسكرى ضد إيران سيترتب عليه ضرر مباشر وغير مباشر على مصر، وفى مقدمة هذه الأضرار ارتفاع أسعار العديد من السلع، موضحا أن الحروب تؤدى إلى خلل فى سلاسل الإمداد والتموين والتوريد، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والنقل التجارى الدولى، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار المواد الخام، وعلى رأسها البترول والوقود ومشتقاته، إضافة إلى مدخلات الإنتاج المختلفة التى تعتمد عليها الصناعة.
وأضاف أن ارتفاع تكلفة هذه العناصر يؤدى إلى زيادة تكلفة نقل البضائع من الموانئ إلى المصانع، ومن المصانع إلى الأسواق، ثم إلى منافذ التوزيع، فى سلسلة متتابعة من الزيادات السعرية الناتجة عن ارتفاع الوقود والخامات والنقل الداخلى والخارجى، مؤكدا على أنه من بين الآثار السلبية الأخرى تضرر قطاع السياحة واحتمالية انخفاض إيرادات قناة السويس، إلى جانب تراجع الاستثمارات نتيجة حالة عدم اليقين التى تصاحب التوترات الإقليمية.
وأشار إلى أن الحرب تؤدى إلى تباطؤ الإنتاج ووقوع طرق الملاحة البحرية فى دائرة المخاطر، ما يؤثر سلبًا على أسعار الطاقة عالميًا، وبالتالى ترتفع معظم السلع نتيجة زيادة تكاليف النقل والإمداد والتأمين والإنتاج، موضحا أن ارتفاع الأسعار عالميا ينعكس بشكل طبيعى على السوق المحلى خاصة فى ظل ترابط الاقتصاد العالمى، وأن أفضل ضمانة لعدم استغلال الأزمات تتمثل فى تعزيز السوق الحر المفتوح وزيادة المنافسة ومنع الاحتكار، لأن تعدد المنتجين والمنافسين يؤدى إلى تقديم أفضل سعر للمستهلك.
وأضاف أن المنتج يتكون من عدة عناصر تكلفة، منها الخامات والطاقة والوقود وتكاليف التشغيل، وأى زيادة فى أحد هذه العناصر تؤدى حتمًا إلى ارتفاع سعر المنتج النهائى، كما أشار إلى أن بعض المنتجين قد يلجأون إلى رفع الأسعار بشكل تحوطى للحفاظ على رأس المال وضمان استمرار النشاط دون خسائر فى ظل التقلبات العالمية.
وأشار إلى أن الثورة الرقمية وسرعة تداول المعلومات ساهمتا فى تقليص تأثير الشائعات، حيث أصبح الوصول إلى المعلومات الدقيقة أسرع وأسهل، ما يساعد الأسواق على الاستناد إلى بيانات موثقة بدلًا من التكهنات.
واختتم سالم حديثه بالتأكيد على أن دور الدولة فى منع التلاعب بالأسعار وقت الأزمات يتمثل فى زيادة عدد المنافسين فى السوق، وتوسيع حجم المعروض من السلع، إلى جانب طرح السلع الاستراتيجية عبر المنافذ الحكومية، وتسريع إجراءات الإفراج الجمركى، بما يضمن استقرار الأسواق وتوفير السلع بأسعار تنافسية، موضحا أن الحروب لا تؤثر فقط على الدول المتحاربة، بل تمتد آثارها إلى الدول المجاورة والاقتصادات الناشئة والنامية، مشيرًا إلى أن الطبقات المتوسطة والفقيرة هى الأكثر تضررًا من تبعات أى صراع إقليمى أو دولى.
حركة الأسواق العالمية
واستكمل الحديث الدكتور على الادريسى الخبير الاقتصادى قائلا إن موضوع سماسرة الحروب أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بحركة الأسواق العالمية، مؤكدا على أن أى حرب أو تصعيد عسكرى فى مناطق حساسة مثل الشرق الأوسط خاصة عند تهديد الممرات الاستراتيجية مثل مضيق هرم، يؤثر فورا على أسعار النفط والشحن والتأمين، وبالتالى على تكلفة كل سلعة تقريبا.
وأوضح الادريسى أن الشركات الكبيرة وقت الحروب لا تتحرك بعشوائية، لكنها تعمل بمنطق إدارة المخاطر مشيرًا إلى أن أول خطوة تقوم بها هى تأمين سلاسل الإمداد من خلال تنويع مصادر الاستيراد وزيادة المخزون الاستراتيجى للمواد الخام، وأضاف أن بعض الشركات تلجأ للتحوط المالى فى البورصات لتثبيت أسعار المواد الخام أو العملات مؤكدا أنه فى بعض القطاعات قد تستغل التوترات لرفع الأسعار بحجة زيادة التكلفة قبل حدوثها وهنا يظهر دور الرقابة.
وأشار الادريسى إلى أن السوق المصرى سريع التأثر بالشائعات موضحًا أن أى خبر عن تصعيد عسكرى أو اضطراب فى الشحن العالمى ينعكس فورًا على توقعات التجار أحيانا قبل انعكاسه على التكلفة الحقيقية، مما يجعل عامل التوقع نفسه مؤثرا فى التسعير، مشيرا إلى أن هناك سلعًا وخدمات تستفيد مباشرة من الحروب مثل الطاقة والغاز الطبيعى وشركات السلاح والذهب فى حين تعتبر قطاعات مثل السياحة والطيران أول المتضررين.
وأوضح الادريسى أن المواطن العادى يتأثر عبر التضخم، مشيرًا إلى أن ارتفاع أسعار الوقود أو الشحن يرفع تكلفة النقل وبالتالى أسعار السلع الأساسية، محذرا من شراء السلع بدافع الذعر أو تخزينها فوق الحاجة، ومشددا على أهمية تنويع الادخار وإدارة المصروفات بمرونة.
واختتم الادريسى حديثه بالتأكيد على أن دور الدولة محورى من خلال تشديد الرقابة على الأسواق، وتفعيل قوانين منع الاحتكار، وضبط هوامش الربح، وتوفير السلع الاستراتيجية، موضحا أن الشفافية فى المعلومات تقلل من تأثير الشائعات، وكلما كانت البيانات واضحة وسريعة، كلما تراجع دور سماسرة الأزمات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض