رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

د.أحمد رزق يكتب: “هل نصوم عن الطعام فقط؟”

دكتور أحمد رزق جاويش
دكتور أحمد رزق جاويش

يحل علينا شهر رمضان في كل عام ضيفا كريما على قلوبنا، يحمل معه نفحات من الرحمة، وفرصا للتزكية، وأبوابا مفتوحة للمغفرة. 

غير أن هناك سؤالا يتكرر في كل موسم: هل الصيام امتناع عن الطعام والشراب فحسب، أم أن له أبعادا أعمق وأشمل؟ وهل تتحقق حقيقة الصوم بمجرد الجوع والعطش، أم أن ثمة معاني روحية وأخلاقية لا يكتمل الصوم ولا يكون صوما حقيقيا إلا بها؟

ومن المعلوم أن الصيام في الإسلام عبادة عظيمة، شرعها الله تعالى وفرضها على عباده المؤمنين؛ قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، فالغاية من الصيام تحقيق التقوى، والتقوى منزلة قلبية وسلوكية تتجلى في مراقبة الله تعالى، والانقياد لأمره، واجتناب نهيه. 

ومن هنا يظهر أن الصيام ليس مجرد ترك للمباحات من طعام وشراب وشهوة، بل هو مدرسة تربوية متكاملة تهدف إلى إصلاح القلب، وتهذيب السلوك، وتزكية النفس.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة الصوم، وأنه ليس مجرد امتناع عن طعام أو شراب؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». 

فهذا الحديث يقرر بوضوح أن الامتناع عن المفطرات الحسية لا يكفي وحده لتحقيق مقصود الصيام، إذا لم يصاحبه ترك المفطرات المعنوية من الكذب، والغيبة، والنميمة، وسائر المعاصي؛ فالصوم الحقيقي هو صوم الجوارح كما هو صوم البطن.

فالعين تصوم حين تغض عن الحرام، واللسان يصوم حين يكف عن اللغو والرفث والبهتان، والأذن تصوم حين تعرض عن سماع الباطل، واليد تصوم حين تمتنع عن البطش والاعتداء، والرجل تصوم حين لا تسعى إلى معصية. بل إن القلب نفسه ينبغي أن يصوم عن الحقد والحسد والرياء وسوء الظن. فإذا تحقق هذا الصوم الشامل كان العبد قد أدرك روح العبادة، ولم يقتصر على صورتها.

ولقد صور لنا النبي صلى الله عليه وسلم المعنى الحقيقي للصيام، وأنه ليس مجرد الامتناع عن الطعام والشراب؛ ففي الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم».

وقد قسم العلماء – وعلى رأسهم حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي – مراتب الصيام إلى ثلاث درجات رئيسية، وهي لا تتعلق بمجرد الامتناع عن الطعام والشراب، بل بعمق أثر الصيام في الجوارح والقلب. قال حجة الإسلام الغزالي – رحمه الله –: «اعلم أن الصوم ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص؛ فأما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، وأما صوم الخصوص فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية، وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية».

شهر رمضان ليس موسما لتغيير مواعيد الطعام فقط

ومن هنا نفهم أن شهر رمضان ليس موسما لتغيير مواعيد الطعام فقط، بل هو فرصة لتغيير العادات والسلوكيات. إنه شهر يتربى فيه المسلم على ضبط النفس، وكبح الشهوات، ومجاهدة الهوى. وإذا استطاع الإنسان أن يمتنع عن الحلال طاعة لله، كان أقدر على أن يمتنع عن الحرام في سائر أيامه؛ فالصيام يربي الإرادة، ويقوي العزيمة، ويعلم الصبر، حتى يصبح الصائم أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة.

ولا يعني ذلك التقليل من شأن الامتناع عن المفطرات الحسية؛ فهي شرط صحة الصيام، ولا يقوم بدونها، لكن المقصود أن هذا الشرط إنما شرع ليكون وسيلة إلى غاية أعظم، هي تزكية النفس وتحقيق التقوى. فكما أن الجسد يحتاج إلى غذاء، فإن الروح تحتاج إلى طاعة، والقلب يحتاج إلى ذكر، والعقل يحتاج إلى تأمل وتدبر، ورمضان هو البيئة المثالية لتحقيق هذا التكامل.

وفي واقعنا المعاصر، حيث تتكاثر الملهيات وتتسارع وتيرة الحياة، تزداد الحاجة إلى فهم الصيام فهما شموليا؛ فالصيام يمكن أن يكون فرصة للتخفف من الإدمان الرقمي، وضبط استخدام وسائل التواصل، وإعادة ترتيب الأولويات. أفليس من الأولى أن نصوم عن فضول النظر في الشاشات كما نصوم عن الطعام؟ وأن نصوم عن الإسراف في شؤون حياتنا كما نصوم عن الشراب؟ إن الصيام الحقيقي يحرر الإنسان من عبودية الشهوة، أيا كان شكلها.

وفي النهاية، يمكن القول بأن الصيام ليس جوعا وعطشا فحسب، بل هو عبادة شاملة تهذب الظاهر والباطن، وتربط العبد بربه، وتصلح علاقته بنفسه وبالناس. فمن أراد أن يذوق حلاوة الصوم، فليصمه بقلبه قبل جوارحه، وليجعله منطلقا لتغيير حقيقي في حياته؛ فعندئذ فقط يتحقق المقصود، ويصبح الصيام طريقا إلى التقوى، لا مجرد امتناع عن الطعام أو الشراب.


بقلم د . أحمد رزق درويش
أستاذ الحديث وعلومه المساعد بكلية أصول الدين بالقاهرة، عضو مركز الأزهر العالمي للرصد والفتوى الإلكترونية