تضارب بين أرقام التعبئة والإحصاء ووزارة الصحة
وفيات الرضع تضع الحكومة فى مأزق
خبراء: الولادات المبكرة والقيصرية والأطفال المبتسرين والتشوهات الخلقية أبرز الأسباب
مطالب بزيادة أعداد الحضانات وبرامج التوعية الصحية للأمهات والحوامل ومعالجة مشاكل سوء التغذية
فى الوقت الذى نشهد فيه تباينًا وتضاربًا فى البيانات على المستوى الرسمي، تظل وفيات الرضع إحدى المشكلات التى يعانى منها القطاع الصحى فى مصر، وتحتاج إلى حلول جذرية سواء على المستوى الحكومى أو المجتمعي.
ففى الوقت الذى أظهرت فيه النشرة السنوية لإحصاءات المواليد والوفيات الصادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، ارتفاع معدل وفيات الأطفال الرضع خلال 2023 إلى نحو 20%، مقارنة بـ18.9% فى 2022، و17.8% فى 2021، و15.7% فى عام 2015، و14.6% خلال عام 2014.
وكانت محافظة السويس الأعلى فى معدل الوفيات بنسبة 29.8%، ثم بنى سويف بنسبة 23.5%، والمنيا 22.6%، وكانت محافظة الأقصر الأقل فى معدل الوفيات بنسبة 14.3%.
ورغم هذه الأرقام الصادرة من الجهة المسئولة عن الإحصاءات فى مصر، إلا أن الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمى باسم وزارة الصحة والسكان، أكد أن معدلات وفيات الرضع فى مصر تشهد انخفاضاً مستمراً وملحوظاً، وأن الدولة تسير فى اتجاه تنازلى يتوافق مع المعايير الدولية.
وأوضح عبدالغفار، فى تصريحات له، أن البيانات الرسمية المدعومة بأرقام من البنك الدولى واليونيسيف ومنظمة الأمم المتحدة، تشير إلى هبوط معدل وفيات الرضع من 33 حالة لكل 1000 مولود حى فى عام 2000، لتصل إلى 19.5 حالة فى عام 2024/2025.
يأتى هذا فى الوقت الذى أصدر فيه الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، تقريرًا فى اليوم العالمى للطفل فى شهر نوفمبر الماضي، كشف فيه عن أن معدل وفيات الرضع «أقل من سنة»، بلغ 21.6 لكل ألف مولود حى عام 2024، ويرتفع المعدل بين الذكور بنسبة 23.4 مقارنة بالإناث 19.7 لكل ألف مولود حي.
وفسر المتحدث باسم وزارة الصحة، سبب الالتباس فى قراءة بعض الأرقام، مشيراً إلى ضرورة التفرقة بين «التحليل الإحصائي» و«التسجيل الإحصائي»؛ حيث إن التحول إلى التسجيل المميكن بدلاً من اليدوى جعل الرصد أكثر دقة وشمولية، ما قد يظهر زيادة فى الأرقام المسجلة نتيجة دقة النظام وليس لزيادة فى معدلات الوفاة الحقيقية.
وأشار عبدالغفار إلى أن الوقت الرئيسى لوفيات الرضع يكمن فى الشهر الأول من العمر، ويرتبط بعوامل مثل الولادة المبكرة، نقص الوزن، والتشوهات الخلقية، محذراً من الارتفاع الكبير فى نسب الولادات القيصرية التى بلغت 80% فى مصر، و70% منها يتم فى القطاع الخاص، ومؤكداً أن الكثير من هذه العمليات يتم دون مبرر طبى واضح، ما يزيد من مخاطر مضاعفات الجهاز التنفسى للمواليد.
نقص النمو
فى هذا الصدد، يقول الدكتور هشام شيحة، رئيس قطاع الطب العلاجى بوزارة الصحة سابقًا، إن السبب الأكبر لوفيات الرضع فى مصر هو الأطفال ناقصى النمو الذين يحتاجون إلى الحضانات عند ولادتهم، ونحن نعانى بشكل كبير من عجز فى الحضانات وخاصة فى القطاع الحكومي، لأن العدد أقل من المطلوب.
وأضاف شيحة أنه إذا كان هناك 1.5 مليون مولود سنويًا فى مصر، فإن 10% منهم يحتاجون إلى دخول حضانات، وبالتالى نحن فى حاجة إلى 150 ألف حضانة، مشيرًا إلى أن الحضانة بمثابة العناية المركزة للأطفال.
وأوضح رئيس قطاع الطب العلاجى بوزارة الصحة سابقا، أن الأطفال ناقصى النمو يعانون من عدة مشاكل صحية، منها ما يصيب الجهاز التنفسى مثل عدم اكتمال الرئة، فضلًا عن مشاكل الجهاز الدورى والقلب والأوعية الدموية، إضافة إلى العيوب الخلقية، وهذه المشاكل يمكن إرجاعها فى النهاية إلى سوء التغذية سواء للأم أثناء أو بعد الحمل.
ولفت إلى أن مشكلة نقص الحضانات ليست مشكلة كمية فى العدد فقط، وإنما نقص فى القوى البشرية التى تقوم على تشغيل هذه الحضانات، بسبب هجرة الأطباء والتمريض، والبعض سيقول أن هناك حضانات تابعة للقطاع الخاص، والرد سيكون أن اليوم فى هذه الحضانات يصل إلى 10 آلاف جنيه، فمن يتحمل هذه التكلفة خاصة فى الأسر البسيطة.
وتابع، «من ضمن الأسباب أيضًا الولادات القيصرية، وعدم تطبيق التأمين الصحى الشامل بشكل كامل على أرض الواقع، لأن المبدأ الأساسى فى هذا النظام هو التكافل، لكن عندما قررت الدولة تطبيقه قامت بتقسيم الأمر إلى تأمين صحى خاص بكل فئة، فالقضاة لهم تأمين خاص بهم والضباط سواء شرطة أو جيش لديهم التأمين الخاص بهم، والبنوك كذلك، والفئات الأخرى لها تأمينها، وبالتالى لم يعد هناك موارد مالية كافية لتطبيق النظام بشكل دقيق، لأن الأم وهى حامل لا بد أن تقوم بالمتابعة والطفل الرضيع يجب متابعته أيضًا، وإذا كان هناك تأمين شامل كانت ستذهب الأم للمتابعة، لكن لا يحدث ذلك على أرض الواقع بسبب ضعف الموارد».
ولتقليل نسبة وفيات الرضع، طالب شيحة، بتطبيق الاستحقاق الدستورى للإنفاق على الصحة، والمنصوص عليه بنسبة 3% من الناتج المحلى للدولة، ولكن على أرض الواقع يتم تخصيص 1% فقط، مع تحسين بيئة العمل لتشجيع الأطباء والتمريض على العمل فى مصر وعدم الهجرة، فضلًا عن تطبيق نظام التأمين الصحى الشامل بشكل كامل.
كما طالب بمراجعة السياسات الصحية وعلاج أسباب المشكلة وهى سوء التغذية، وعدم متابعة الحمل، وتوفير التطعيمات، وزيادة عدد الحضانات، مشيرًا إلى أن فترة الولادة وحتى عامين هى أخطر فترة فى حياة الطفل، ولا بد من الاهتمام به بشكل كافٍ.
تفسير تضارب الأرقام
الدكتور عادل عاشور، أستاذ الوراثة البشرية واستشارى طب الأطفال وحديثى الولادة بالمركز القومى للبحوث، قال إننا لا نعلم طريقة احتساب الجهاز المركز للتعبئة والإحصاء لنسبة الوفيات، لكن من المحتمل أنه احتسب حالات الإجهاض أثناء الحمل «منذ 5 أشهر» ضمن الوفيات، ما أدى إلى ارتفاع النسبة عن النسب الخاصة بوزارة الصحة.
وأضاف عاشور أنه من المفترض بعد الرعاية الصحية والتوعية التى انتشرت سواء فى وسائل الإعلام أو المنصات الاجتماعية الأخرى، أن ترتفع نسب الوعى للأمهات، وبالتالى تنخفض الوفيات وليس العكس.
وأشار أستاذ الوراثة البشرية واستشارى طب الأطفال وحديثى الولادة بالمركز القومى للبحوث، إلى ضرورة توفير الرعاية الطبية للأم الحامل أثناء الحمل سواء من وزارة الصحة أو المراكز الطبية الخاصة، لكن فى القرى والأرياف البعيدة قد يكون هناك إهمال بسيط وعدم الذهاب للمستشفيات للولادة والمتابعة والاعتماد على الطرق التقليدية فى الولادة وهذا الأمر خطر، لأن المتابعة والولادة لا بد أن تكون فى المستشفيات حتى لو كانت طبيعية حتى نمنع أى مضاعفات قد تحدث.
وأوضح عاشور أن من ضمن أسباب وفيات الرضع، زيادة نسب التشوهات الخلقية أثناء الحمل وبعد الولادة، مثل أمراض القلب وتشوهات الجهاز التنفسى والمخ، والتى تنتج عن أسباب عديدة منها زواج الأقارب، لافتًا إلى أن الولادة القيصرية يتم اللجوء إليها إذا كانت هناك حاجة ضرورية لإنقاذ الطفل أو الأم، لكنها قد تكون من ضمن أسباب الوفيات إذا تم الاستسهال فى استخدامها.
وطالب أستاذ الوراثة البشرية واستشارى طب الأطفال وحديثى الولادة بالمركز القومى للبحوث، بزيادة التوعية بالصحة الإنجابية والاهتمام بصحة الأم حتى قبل الحمل، مع توفير التطعيمات اللازمة لحماية الجنين والأم، فضلًا عن الكشف الدورى أثناء الحمل لسرعة علاج الجنين مبكرًا، واتباع تعليمات التغذية التى تسهم فى نموه بشكل جيد، مؤكدًا ضرورة الاهتمام بالولادة فى المراكز الطبية المجهزة والمستشفيات.
رضع وحديثى الولادة
فيما قالت الدكتورة منى حافظ، استشارى الأطفال والمدير التنفيذى للجمعية المصرية لأعضاء الكلية الملكية البريطانية لطب الأطفال، إن هناك اختلافًا بين الأطفال الرضع وحديثى الولادة، لأن حديثى الولادة هو الطفل الذى لم يتخط عمره الشهر، أما الرضع حتى عامين.
وأضافت «حافظ» أن وفيات الرضع كانت كثيرة فى الماضى، وبدأت فى الانخفاض خلال الفترة الأخيرة، ووصلت إلى 19.5 وفاة لكل ألف حالة بعدما كانت 33 لكل ألف عام 2000.
وأشارت المدير التنفيذى للجمعية المصرية لأعضاء الكلية الملكية البريطانية لطب الأطفال، أن أسباب وفيات الرضع بشكل عام سواء كانت النسبة عالية أم منخفضة، تتمثل فى الولادة المبكرة للمبتسرين سواء كانت قيصرية أو ولادة مبكرة عن الموعد بسبب عدم متابعة الأم للحمل مبكرًا بصورة منتظمة، بالإضافة إلى التشوهات الخلقية.
وأكدت حافظ أن الولادة القيصرية لها دور رئيسى فى المسألة لأنها تزيد من مضاعفات الجهاز التنفسى عند المواليد.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض