رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

بين جنازير الدبابات التي حطمت سكون "عابدين" في 4 فبراير، وبين حنجرة "النحاس" التي صدحت تحت قبة البرلمان في 22 فبراير، ضاعت المسافة بين "الانكسار" و"الكبرياء".

لم يكن خطاب 22 فبراير 1942 مجرد سرد لبرنامج حكومة، بل كان محاولة "انتحار سياسي" على مذبح الوطنية؛ صرخة رجل يحاول استرداد شرف "بيت الأمة" من فوهة المدافع البريطانية التي وضعت الوزارة في جيبه والسكين على رقبة الملك. 

إننا أمام أخطر "مناورة تبرير" في تاريخ مصر الحديث، حيث تحول الحبر إلى سلاح، والبيان الوزاري إلى صك براءة من تهمة "المجيء على أسنة الرماح"

يخطئ من يقرأ تاريخ الحركة الوطنية المصرية بعين "النيابة العامة" التي توزع صكوك الاتهام والخيانة؛ فالسياسة في لحظات الانكسار القومي ليست نزهة، بل هي رقصة خطرة على حافة الهاوية. 

وفي 22 فبراير 1942، وقف زعيم الأمة مصطفى النحاس باشا أمام البرلمان، لا ليلقي بيانا وزاريا عاديا، بل ليخوض "معركة بقاء" أخلاقية وتاريخية، محاولا غسل ثياب "الوفد" من رذاذ الزيت الذي خلفته الدبابات البريطانية حول قصر عابدين.

في ذلك اليوم، لم يكن النحاس يتحدث للأعضاء الجالسين تحت القبة فحسب، بل كان يوجه رصاصات كلماته إلى صدر "التاريخ" الذي سجل أن الوفد جاء ب "إنذار إنجليزي". 

صرخة النحاس الشهيرة "إننا لم نأت على أسنة الرماح البريطانية، بل جئنا بإرادة الشعب"، لم تكن مجرد بلاغة إنشائية، بل كانت محاولة انتحارية لفك الارتباط العضوي بين "الكرسي" وبين "الفوضى" التي كادت تعصف بمصر.

لقد كان خطاب 22 فبراير هو "الدرع" الذي رفعه الوفد ليقول للمصريين "نحن لم نبع القضية، بل اشترينا سلامة الوطن بقطع من كبريائنا الحزبي". 

فالبلاد كانت على شفا مجاعة حقيقية، ونيران الحرب العالمية الثانية كانت تلتهم الأخضر واليابس، وكان الوفد يرى أن "الاستقلال الصوري" تحت إدارته، أفضل مائة مرة من "الاحتلال العسكري المباشر" تحت إدارة جنرال بريطاني لا يعرف رحمة.

لغز الخطاب الموجه للسفير "بناء على تكليف ملكي"، فالعبقرية السياسية - أو ربما المناورة المستحيلة - في خطاب 22 فبراير، تمثلت في إصرار النحاس على توثيق أن قبوله الوزارة كان "بتكليف ملكي وبإرادة وطنية". 

كان يريد أن يقطع الطريق على أي مزايد يقول إن بريطانيا هي من عينته. أراد أن يحول "الحادثة المهينة" في 4 فبراير إلى "إجراء دستوري" في 22 فبراير.

إن هذا الخطاب هو أضخم عملية "ترميم سياسي" لشعبية جرحت في مقتل، لقد حاول النحاس أن يقنع التاريخ بأن الوفد دخل القصر من الباب العالي، بينما كانت الدبابات تحطم الأبواب الخلفية.

كلمة أخيرة لمن يحاكمون الماضي، إن خطاب 22 فبراير 1942 سيظل درسا في “فقه الضرورة”، هل كان النحاس واهما حين ظن أن الكلمات ستمحو أثر الجنازير؟ ربما. 

ولكن المؤكد أن ذلك اليوم شهد ولادة أصعب وثيقة سياسية في تاريخ مصر الحديث؛ وثيقة تحاول إثبات أن "الوفدية" أكبر من أن تكسر بإنذار، وأعمق من أن تختصر في لحظة ضعف فرضتها أقدار الحرب.

إن مأساة 22 فبراير 1942 هي أن التاريخ لم يرحم "بلاغة النحاس" بقدر ما سجل “دبابات لامبسون”، فبينما كان الزعيم ينسج من الحروف درعا للكرامة، كانت الجماهير في الشوارع تتعلم درسا قاسيا أن "الشرعية" التي تولد في حماية الأجنبي، تظل جرحا نازفا في ذاكرة الأمة لا تداويه الخطب الرنانة. 

لقد كانت تلك اللحظة هي "الفصل الأخير" في قدسية الوفد القديم؛ فمنذ ذلك التاريخ، لم يعد السؤال "ماذا قال النحاس؟"، بل صار "بأي ثمن وصل؟". 

فهل كانت الوزارة تستحق أن تقايض بمهابة "بيت الأمة"؟ اتركوا الإجابة للتاريخ، فهو الحكم الذي لا يغفل، والجلاد الذي لا ينسى، والوحيد الذي يعرف أن "حبر التبرير" في 22 فبراير لم يستطع أبدا مسح "غبار الدبابات" عن جبين السياسة المصرية.

فسلام على تاريخ يكتبه الشجعان بالدموع والمناورات، لا بالهتافات الجوفاء على أرصفة المقاهي.