رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

حكايات من دولة التلاوة المصرية

كيف تحولت «كراكيب» زكريا باشا مهران إلى أعظم كنوز قيثارة السماء؟

بوابة الوفد الإلكترونية

فى تاريخ دولة التلاوة المصرية، يبقى اسم الشيخ محمد رفعت علامة فارقة، لم يكن مجرد قارئ، بل كان «صوت الجنة» و«قيثارة السماء» التى خطفت قلوب السامعين بخشوعها وحزنها الشجى. فقد الشيخ رفعت بصره وهو فى الثانية من عمره، لكن والده أصر على حفظه للقرآن، ليتم الحفظ فى العاشرة من عمره بإنجاز عكس إرادة فولاذية وشغفًا لم يسبق له مثيل.

تميز الشيخ رفعت ببراعة فى التجويد وإتقان لمخارج الحروف جعلت تلاوته طقساً لا يمكن للمصريين الاستغناء عنه. ومع ذلك، واجه تراث هذا العملاق خطراً حقيقياً، ففى ثلاثينيات القرن الماضى، كانت التقنيات البدائية وتكلفة التسجيل العالية تحول دون قيام الإذاعة المصرية بحفظ تسجيلاته. كان الناس يستمعون إليه مباشرة عبر الراديو أو يزحمون المساجد التى يقرأ فيها، خاصة مسجد «فاضل باشا» الذى ارتبط به ارتباطاً تاريخياً عميقاً.

هنا يظهر فى الحكاية «زكريا باشا مهران»، عضو مجلس الشيوخ وأحد أثرياء مصر المحبين للشيخ. امتلك الباشا جهازى تسجيل أسطوانات باهظى الثمن، وبدأ يسجل قراءات الشيخ رفعت من الإذاعة على حسابه الخاص. وحين مرض الشيخ، حاول الباشا بيع هذه التسجيلات للإذاعة لتوجيه أموالها لعلاجه، إلا أن الإذاعة رفضت طلبت الباشا بمساواة أجر ساعة الشيخ رفعت بأجر ساعة أم كلثوم.

رحل الشيخ رفعت، ورحل بعده زكريا باشا، وبقيت التسجيلات منسية لسنوات كـ «كراكيب» فى منزله. بالصدفة، عثرت أرملة الباشا على هذه الكنوز الصوتية، واتصلت بالإذاعة المصرية التى سارعت هذه المرة لإنقاذ الموقف، فجمعت 278 أسطوانة للشيخ رفعت مدتها 21 ساعة. ولأن بعض الآيات سقطت أثناء تبديل الأسطوانات، استعانت الإذاعة بتلميذه الشيخ «أبو العينين شعيشع» لاستكمال تلك النواقص بصوته، ليخرج تراث الشيخ رفعت للنور ويصل إلينا اليوم.

لم يكن حب الشيخ رفعت مجرد استماع عابر، بل كان شغفاً دفع مريديه لإرسال خطابات تفيض بالمشاعر، فمن الأقصر أرسل «محمد حقى» يعبر عن فرحته بسماع سورة «مريم» بصوت الشيخ بعد عودته من مرض، مقسماً أنه لم يسمع القرآن من الإذاعة طوال فترة غياب «القيثارة». هكذا عاش رفعت بـ «بصيرة» نورت دروب المحبين، وخلدت ذكراه كأحد أعظم الأصوات فى تاريخ البشرية.

هكذا لم تُصنع أسطورة الشيخ رفعت من جمال الصوت وحده، بل من سيرة رجل عاش بسيطًا، منح الناس سكينة، وترك خلفه أثرًا يتجاوز الزمن. فى حكاياته تتجلى صورة «دولة التلاوة» فى أنقى معانيها، حيث يصبح الصوت ذاكرة، ويصير الإخلاص هو السرّ الحقيقى للخلود.