لم يكن الراحل مفيد شهاب مجرد أستاذ قانون دولى كبير، ولا مجرد وزيرٍ أو عضوٍ فى فريق تحكيم تاريخى أعاد طابا إلى الوطن... بل كان إنسانًا استثنائيًا، يحمل فى قلبه رقى العلماء، وفى روحه تواضع الكبار.
عرفته منذ سنوات، ولم تكن علاقتى به علاقة عابرة بين أستاذ وطالب، أو بين مسئول ومعارفه، بل كانت علاقة إنسانية دافئة، قوامها الاحترام الصادق والتقدير المتبادل. كنت أرى فيه الأب قبل الأستاذ، والحكيم قبل السياسى، والإنسان قبل أى منصب.
كان حضوره طاغيًا بهدوئه، لا يحتاج إلى ضجيج ليُسمع، ولا إلى استعراض ليُقدَّر. حين يتحدث، ينصت الجميع، ليس فقط لقوة منطقه، بل لما يحمله صوته من وقار وتجربة وصدق. كان يؤمن بأن القانون ليس نصوصًا جامدة، بل رسالة أخلاقية، وأن الدفاع عن الوطن شرفٌ لا يُؤدَّى إلا بعلمٍ راسخ ونزاهةٍ مطلقة.
فى جلساتى معه، كنت أتعلم ما هو أبعد من القانون. تعلمت معنى الالتزام، والانضباط، واحترام الكلمة. كان يختار عباراته بعناية، كما لو كان يزنها بميزان العدالة ذاته الذى دافع به عن مصر فى المحافل الدولية. لم يكن يسمح بالسطحية، لكنه فى الوقت نفسه كان رحيمًا فى النصح، كريمًا فى التوجيه، يحتضن الشباب بفكره قبل يديه.
أذكر جيدًا كيف كان يتعامل مع من حوله بتواضع حقيقى. رغم مكانته الرفيعة، لم أشعر يومًا بأنه يتحدث من برجٍ عاجى. كان قريبًا من الناس، مهتمًا بأحوالهم، يسأل بصدق، ويستمع باهتمام. كان يرى فى كل لقاء فرصة لبناء إنسان، لا مجرد تبادل كلمات.
قيمة الدكتور مفيد شهاب لم تكن فقط فى المناصب التى تقلدها، ولا فى القضايا الكبرى التى شارك فيها، بل فى الأثر الذى تركه فى نفوس من عرفوه. كان مدرسة فى الأخلاق قبل أن يكون مدرسة فى القانون. وجوده كان يمنح شعورًا بالأمان، وكأنك تجلس أمام تاريخٍ حىّ، لكنه تاريخٌ ينبض تواضعًا وودًّا.
برحيله، لا نفقد عالمًا جليلًا فحسب، بل نفقد صوتًا هادئًا كان يذكّرنا دائمًا بأن العلم مسئولية، وأن الوطنية عملٌ صامت لا يبحث عن تصفيق. أما أنا، فأشعر بأننى فقدت سندًا إنسانًا عزيزًا، ووجهًا بشوشًا كان يفتح لى أبواب الأمل كلما ضاقت السبل.
سيظل اسمه محفورًا فى سجل الوطن، لكن الأهم أنه سيظل محفورًا فى القلوب. رحم الله الدكتور مفيد شهاب... العالم الوقور، والإنسان النبيل، الذى علّمنا أن العظمة الحقيقية لا تُقاس بالمناصب، بل بما نزرعه من خير فى حياة الآخرين.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض