ترسخ فى الوعى الجمعى العربى لمدة طويلة الصورة الذهنية للشخصية التركية المتسلطة والتى لطالما ظهرت فى الأدب والدراما بطريقة كاريكاتورية فهى شخصية صعبة المراس تتسم بالفظاظة والكبرياء الأجوف نتيجة إرثها الاستعمارى الطويل الذى كان يمعن فى القسوة لتحصيل الضرائب من قوت المعدومين لكن موخرًا نجحت الدراما التركية المصنوعة بحرفية مميزة فى إحداث اختراق كبير للشارع العربى فهذه النقلة النوعية الذكية سوقت تركيا الجديدة بصورة عصرية براقة مغايرة للواقع مزجت بين أناقة الحداثة وأصالة القيم الشرقية ما جعل المواطن العربى المغلوب على أمره الحلم بالعيش داخل جنة اسطنبول لتسقط من الذاكرة العربية ماضى الآغا المستبد وحل مكانه مستقبل مهند الوسيم أيقونة الرومانسية غير أن تركيا التى أسسها مصطفى اتاتورك على قواعد علمانية راديكالية فوقية فرضها على المجتمع، واستخدم الجيش والقضاء كأداة لضبط المجال السياسى، لكن خلال العقود الأخيرة شهدت أنقرة صعود تيار إسلامى محافظ إلى قمة السلطة بقيادة أردوغان ذلك السياسى الاستثنائى الذى تميز بمهارات خطابية رائعة ألهبت حماسة الجماهير مع قدرة فائقة على ترويض المؤسسات الأمنية وتحجيم طموحات المعارضة ليستحوذ منفردا على الحكم لأكثر من عقدين فهذا التحول الأيديولوجى لم يكن مجرد إصلاح ديمقراطى، بل كان أيضًا تفكيكًا تدريجيًا لمراكز القوة الكمالية التقليدية، ما منح رجل الأناضول القوى هامشًا أوسع للتحرك داخليًا وخارجيًا. لاشك ان تجربتة واحدة من أكثر التجارب السياسية تعقيدا فى الشرق الأوسط بسبب مرونة وبراجماتية وريث العثمانيين فى مواجهة التحديات والتقلبات السياسية وهو ما كان مصدر إعجاب أعدائه قبل أصدقائه، فتعديله المستمر لتوجهاته ومواقفه السياسية أينما كانت مصالح نظامه السياسى بعيدا عن التنظير الأيديولوجى، فقد تصالح مع الروس بعد اصطدامه معهم فى اكثر من موضع، وأعاد علاقته مع الرياض بعد أزمة خاشقجى، كما أنه نسق مع إيران ضد الانفصاليين الأكراد ومنع إقامة دويلة كردية شمال العراق وسورية، بل وتواصل مع القاهرة بعد عداء طويل ونسق معها لحل المشكلة الليبية والسودانية فالرجل لم يستنكف أن يقر بهزيمته وهو الذى كان يقسم بأغلظ الإيمان إلا يسلم أو يتعامل مع الرئيس السيسى لكن عقلانيته غلبت على أهوائه بل قدّم كوادر الجماعة الغبية قربانًا لإعادة العلاقات بعدما أيقن أنها الرقم الصعب الذى لا يستطيع تجاوزه. وفى هذا الصدد يجدر بالذكر الاشارة إلى صبر وحكمة السيسى الذى لم ينزلق إلى مستنقع التراشق اللفظى واحتفظ بهدوئه وكياسته فكسب الرهان، لم يخف الاخوان إعجابهم الشديد بأردوغان فهو ملهمهم الأول لدرجة ان القرضاوى كبيرهم الذى علمهم السحر كان ينادى به من فوق المنبر خليفة المسلمين، ومع ذلك لم يستمعوا لنصائحه اثناء حكمهم أو يقتفوا اثره بعد خلعهم لأنهم ببساطة يعيشون فى عالم موازى فجميع قيادات الاخوان فى كل زمان تخشى الاعتراف بالأخطاء الاستراتيجية أو مراجعة اخطاء الحسابات التكتيكية فهذا كفيل بانكشاف سوءاتهم وبالتالى تشظى الجماعة فهم يؤمنون بأن كلما اشتدّت الضربات الأمنية كلما قويت وتماسكت لحمة التنظيم الذى مازال يستمد قبلة الحياة من شجن المظلومية الكربلائية فدائما راهنهم على عامل الوقت فلا يوجد نظام يستمرّ للأبد وبالتأكيد سيأتى نظام آخر بتوجه مختلف وعندئذ سيحاولون التودد اليه لعلهم يعيدون الكره لكن هذه المرة خانهم مكرهم لأن المصريين صدموا من هيستريا ردة فعلهم التى فاقت كل تصور بعدما تحالفوا مع كل أعوان الشيطان من أجل إعادتهم إلى كرسى الحكم لكن هيهات فقد انصرف الناس عنهم ولم يعد لهم ظهير شعبي. وخلاصة القول ان لا أمل فى هذه الجماعة ان تعود إلى جادة الصواب بعدما اصيبت بمتلازمة عمى البصيرة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض