رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

هناك جثث سياسية تموت فتقبر، وهناك (الوفد).. الذي يقتل فيبعث من جديد ليحضر جنازة قاتليه! ليس 15 فبراير مجرد تاريخ في أجندة الموظفين، بل هو ثقب في جدار الزمن، تسلل منه (باشوات) العصر الملكي ليصفعوا كبرياء (شمولية) السبعينات، ويعلنوا أن (بيت الأمة) ليس عقارا للمصادرة، بل هو فكرة.. والفكرة لا تموت بالرصاص ولا تلغى بأي قرار.

في مثل هذا اليوم، 15 فبراير، لم يكن مجرد توقيع على ورقة من "لجنة أحزاب"، بل كان إعلان "وفاة" لمرحلة الصوت الواحد، وشهادة ميلاد ثانية لعملاق ظن الواهمون أن جنزير الدبابات في 1952 قد دهس رأسه إلى الأبد.

يقولون إن التاريخ يكتبه المنتصرون، لكن في 15 فبراير 1978، قرر (المنهزمون) عسكريا في 1952 أن يكتبوا التاريخ بأقلام من كبرياء. 

لم يكن قرار عودة الوفد الجديد مجرد حبر على ورق لجنة الأحزاب، بل كان انفجارا ليبراليا في رحم الصمت، وإعلانا رسميا بأن ربع قرن من (التأميم السياسي) لم ينجح في غسل مخ الشارع المصري الذي ظل يهتف سرا (الوفد هو الأصل.. والباقي فروع).

ففي 15 فبراير 1978، وقف فؤاد سراج الدين - ذاك "الباشا" الذي لم تكسر "الزنازين" كبرياءه - ليعلن للعالم أن حزب الوفد ليس مجرد تنظيم سياسي يحل بقرار، بل هو "جينات وراثية" تجري في دم التربة المصرية. 

عودة الوفد في ذلك اليوم كانت "صفعة" ليبرالية مدوية في وجه شمولية دامت ربع قرن، كانت إعلانا صريحا بأن "بيت الأمة" لا تغلق أبوابه بـ "شمع أحمر" من سلطة زائلة، لأن مفاتيحه في جيوب الشعب، لا في أدراج القصور.

لماذا يرتعدون من 15 فبراير؟، البعض يحاول تدجين هذا التاريخ، وتصويره كمجرد "منحة" من السادات ضمن لعبة الانفتاح، كذبوا! عودة الوفد كانت "انتزاعا" لا "هبة". 

كانت لحظة خروج المارد من القمقم ليقول للجميع "نحن الأصل.. والباقي فروع وتعددية ورقية"، لقد عاد الوفد في 78 ليثبت أن الليبرالية المصرية ليست “بضاعة مستوردة”.

بل هي صرخة 1919، ودماء شهداء كوبري عباس في 1946، وصمود الطليعة الوفدية التي لم تتبع سياسة “السمع والطاعة”، عاد الوفد ليعلم الجميع أن "المعارضة" ليست وظيفة، بل هي "عقيدة" وطنية لا تقبل القسمة على اثنين.

ومن يظنون أن السياسة هي "ترزي قوانين" أو "تجميل صورة"، عليهم أن يقرأوا كواليس 15 فبراير 1978 جيدا، حينما ضاق السادات بـ "هدير الوفد" بعد شهور قليلة، وحاول محاصرته ب "قوانين العزل"، لم يرتجف فؤاد سراج الدين، بل جمد الحزب بكرامة، مفضلا "العدم" على "التبعية".

هذا هو الفرق بين "حزب الأمة" وبين "دكاكين الأحزاب" التي تفتح وتغلق بالريموت كنترول، الوفد في 15 فبراير علمنا أن الحرية لا تطلب، بل تؤخذ غلابا، وأن التاريخ لا يرحم من يفرط في شرعيته الشعبية من أجل مقعد في البرلمان أو صورة مع السلطة.

15 فبراير ليس ذكرى للمؤرخين، بل هو "مانيفستو" لكل من يؤمن بأن هذا الشعب لا يقبل الوصاية، الوفد عاد في 78 ليقول "أنا باق.. وأنتم عابرون". وسيبقى يوم 15 فبراير شوكة في حلق كل من يحاول محو الهوية الليبرالية لمصر.

ومن كان يظن أن الوفد قد انتهى في 1952، فليراجع حساباته في 1978، ومن يظن أنه انتهى اليوم، فلينتظر (فبراير) القادم، نحن لسنا مجرد حزب في معارضة، نحن (تاريخ) يرفض النسيان، و(مستقبل) يرفض القيود. 

الوفد عاد في 15 فبراير ليؤكد حقيقة كونية واحدة الشعوب الحية لا تموت.. والوفد هو قلب مصر النابض بالحرية، والقلوب لا تتوقف عن النبض إلا بأمر خالقها، لا بأمر حكامها

انتهى زمن (الصوت الواحد) في اللحظة التي وقع فيها سراج الدين أوراق (الوفد الجديد)، ومنذ ذلك اليوم، أصبح 15 فبراير هو (يوم الحساب) لكل من تسول له نفسه تزييف إرادة هذا الشعب. 

الوفد باق بصلابة صخوره، وعمق جذوره، وجسارة رجاله الذين لا ينحنون إلا لله وللوطن، فليكتب التاريخ ما يشاء، وليخطب (العابرون) بما يشاءون.. ففي النهاية، سيبقى الوفد هو (البوصلة) التي يعود إليها الجميع حين تضل بهم السبل في صحاري الاستبداد.

يا سادة.. الوفد ليس حزبا، الوفد هو "مصر" حين تقرر أن تخلع رداء الخوف وتتكلم!