يكتب بأنفه ويدافع بقلمه عن تهمة الجنون
لم يكن الطريق ممهدًا أمام الشاب مصطفى ناصر، لكن إرادته الصلبة صنعت منه نموذجًا حيًا للنجاح وقهر المستحيل، بعدما حوّل الإعاقة إلى دافع، والتحديات إلى محطات إنجاز، ليكتب قصة كفاح إنسانية تستحق أن تُروى.
وُلد مصطفى وهو يعانى من نقص حاد فى الأكسجين أثناء الولادة، ما أدى إلى إصابته بمرض الشلل الدماغى (CB)، فتأثرت أعصابه وفقد السيطرة على حركات جسده، لتبدأ رحلة طويلة من المعاناة لأسرته التى بذلت جهودًا مضنية لتوفير سبل التعليم والرعاية له.
تأخر التحاق مصطفى بالمدرسة بسبب عدم معرفة أسرته بوجود مؤسسات تعليمية متخصصة، حتى عثروا على مدرسة “جنة الأطفال” للإعاقة الحركية، وهناك بدأت ملامح التفوق والذكاء تظهر بوضوح، رغم العقبة الأكبر التى واجهته والمتمثلة فى عدم وضوح صوته، وهو ما شكّل تحديًا مستمرًا فى تواصله مع الآخرين.
وفى المرحلة الابتدائية، بزغت موهبة مصطفى فى الكتابة، فاتخذ منها وسيلته للدفاع عن نفسه فى مواجهة اتهامات ظالمة بالجنون أطلقها بعض المعلمين والطلاب تعليقًا على تشنجات حركته، فكانت الكتابة سلاحه وصوته الحقيقى الذى عبّر به عن ذاته.
أما فى المرحلة الإعدادية، فكان اللقاء الفارق فى حياته مع الأستاذة أمل قناوى، مديرة إدارة الموهوبين آنذاك، التى آمنت بموهبته واحتضنته، وقدمت له دعمًا غير محدود، فبرز تفوقه فى لعبة الشطرنج حتى أصبح من أمهر لاعبيها، وشارك فى بطولات ومنافسات متعددة.
واصل مصطفى رحلة نجاحه، وتفوّق فى الثانوية العامة، ثم التحق بكلية الإعلام – جامعة القاهرة، قسم الصحافة الرقمية والمطبوعة، وتخرج فيها بتقدير جيد جدًا، مؤكدًا أن الإعاقة لم تكن يومًا حاجزًا أمام الطموح.
وخلال دراسته الجامعية، التحق بالتدريب فى عدد من المواقع والمجلات، ونجح فى تقديم حوارات صحفية وأخبار وتحقيقات متميزة، ليؤكد امتلاكه موهبة حقيقية فى الكتابة الصحفية والأدبية.
وتُوّج هذا المشوار الإبداعى بصدور أول مؤلفاته الأدبية، وهو ديوان شعر شارك به هذا العام فى معرض القاهرة الدولى للكتاب، فى إنجاز استثنائى تتضاعف قيمته حين نعلم أن مصطفى كتب الديوان كاملًا باستخدام أنفه على جهاز الكمبيوتر والهاتف المحمول، دون أى مساعدة من الآخرين.
واليوم، ينتظر مصطفى ناصر فرصة عمل حقيقية فى إحدى الصحف أو المواقع الإخبارية، ليتم تعيينه ضمن نسبة الـ5% المخصصة لذوى الهمم، تحقيقًا لحلم طال انتظاره، فى أن يجد مكانًا يقدّر موهبته ويمنحه حقه الطبيعى فى العمل والإنتاج.
قصة مصطفى ليست مجرد حكاية نجاح فردى، بل رسالة أمل لكل من يظن أن الإعاقة نهاية الطريق، ودعوة صادقة للمجتمع ومؤسساته لدعم النماذج الملهمة، وفتح الأبواب أمام طاقات قادرة على الإبداع والعطاء، مهما كانت التحديات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض