في مسرحية Sir Thomas More ( سير توماس مور) مشهدٌ يُرجَّح أن شكسبير أسهم في صياغته في مطلع تسعينيات القرن السادس عشر، لكنه لا يجيئنا اليوم كوثيقةٍ محفوظة في الارشيف، بل كنداءٍ حيٍّ من الماضي في قلب حاضرٍ أمريكي مضطربٍ .
يأخذنا النص إلى لندن عام 1517، مدينةٍ تشهد شغبا معاديا للغرباء، حيث تتصاعد الهتافات ، وتتحوّل الكراهية إلى عصاب جماعيٍّ يعمي البصائر. عند تلك اللحظة يقف الفيلسوف توماس مور ليخاطب الغوغاء الثائرين ضد الغرباء الوافدين إلى المدينة، فيحوّل الصخب إلى امتحانٍ أخلاقيٍّ للمجتمع بأسره.
يتحوّل المشهد هنا إلى مرآةٍ مصقولة لحاضرنا؛ فكما في لندن القديمة، نرى اليوم حشودًا في أمريكا تُحرَّض على الخوف والكراهية بلغةٍ سلطوية تُجرّم المهاجر واللاجئ، وتختزل الإنسان في تهديدٍ عابرٍ للحدود. غير أن صوت شكسبير—عبر مور—يظلّ يرنّ فوق الضجيج: تذكيرٌ شعريٌّ أخلاقي بأن المدينة التي تُقصي الغريب إنما تُقصي روحها، وأن العدالة لا تُبنى على الاقصاء ولا على معاداة الغريب، بل على الاعتراف المتبادل بالإنسانية المشتركة والهشاشة التي تجمع البشر. هاهي ترجمة الخطبة:
تخيَّلوا—يا قوم—أنكم تُبصرون أولئك الغرباء التعساء، أطفالهم معلَّقون على ظهورهم، وأمتعتهم البائسة تتدلّى من أيديهم، يخطون خُطًى مُثقلةً نحو المرافئ والسواحل طلبًا لنجاةٍ لا يدرون مآلها؛ وأنتم جلوسٌ كملوكٍ على عروش أهوائكم، والسلطات واجمة صامتة أمام صخبكم، وأنتم مُتلفِّعون بغطرسة آرائكم وكِبْرها فماذا كنتم ستكسبون إذ ذاك؟ دعوني أخبركم: كنتم ستُقرِّرون أن الوقاحة والبطش الغليظ هما ناموس الحكم، وأن النظام ينبغي أن يُخنق ويُداس؛ وعلى هذا المثال، ما كان لأحدٍ منكم أن يشيخَ آمنًا، إذ سينهض رعاعٌ آخرون—تسوقهم أهواؤهم العمياء باليد عينها، وبالمنطق عينه، وبالحقّ الذي تزعمونه، فينقضّون عليكم انقضاض أسماك القرش؛ ويصير الناس كسمكٍ جائعٍ ينهش بعضُه بعضًا بلا رحمة...
حين نقرأ هذا المشهد، المنسوب إلى شكسبير، اليوم، لا يبدو غريبا، فهو يواجه الحاضر الأمريكي بمرآةٍ قاسية وصادقة. ففي لندن 1517 يكشف مور جوهر منطق الغوغاء: الخطر ليس في “الغريب”، بل في مجتمعٍ يسمح للكراهية أن تحلّ محل القانون، وللخوف أن يسود في المجتمع.
تكتسب كلمات مور راهنيةً خاصّةً تكاد تجعل الماضي يتنفّس في حاضرنا؛ مظهرة صورًا قاسية تأتينا من أمريكا المعاصرة: أسرٌ ممزّقة على الحدود، وأطفالٌ يُسحبون من أحضان الامهات باسم “النظام” و“الانضباط”، ومراكز احتجازٍ باردة تحوّل البشر إلى أرقام وملفات.
وهكذا يتحوّل المشهد إلى مرآة تكشف التشابه بين لندن التيودورية وأمريكا الترامبية وتظهر أنّ آليات التخويف والتجريم لم تتغيّر، وإن تغيّرت الأزمنة واللغات. إنه يذكّرنا بأن المجتمع الذي يشيطن الغريب ويجعل منه خطرًا مطلقًا إنما يقوّض عدالته بيده، ويقترب—من حيث لا يشعر—من لحظةٍ يفقد فيها روحه وهو يظنّ أنه يحميها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض