على فكرة
عرفت عبلة الروينى حين التحقت للعمل فى صحيفة الأهالى مسئولة عن الصفحة الثقافية. كاتبة موهوبة هائمة فى بحور الشعر ودورب المسرح وكواليسه. ما إن تفتح حديثا معها إلا ويكون الشعر والمسرح حاضرين بقوة. أما عبر قراءة مقالاتها فى النقد المسرحى والقضايا الثقافية والتعليق على الأحداث الجارية فى المجال العام كمحررة ثقافية ورئيسة تحرير جريدة أخبار الأدب، باختيار وترشيح من شباب ثورة يناير، وصاحبة عمود يومى فى صحيفة الأخبار، فسوف نعرف أكثر مدى كفاءتها المهنية كناقدة وصحفية، ومدى نزاهة قلمها، الذى لا يخشى سوى ضميرها ومعاييرها الفنية والأخلاقية، والانسجام مع حساسيتها الأدبية. وكان ذلك هو ما جعلها تبنى لنفسها مكانة فى النقد المسرحى والثقافى، بعيدا عن نظرية الجمهور عايز كده، وتغرد خارج سرب ما كان يسميه ساخرا الناقد الكبير «فاروق عبدالقادر جماعات «ع ع» أى العلاقات العامة.
قد تدخل تلك الصفات الطيبة الكاتب الجنة، لكنها فى الوسط الثقافى والصحفى، تجلب لصاحبها الشقاء، وأوجاعا نفسية وصحية ومعارك ما إن تنتهى حتى تبدأ من جديد، ويكون ثمنها غاليا، حين يجد من هم مثلها أنفسهم فى دائرة الإقصاء والتهميش. والعزل من الوظيفة. فإذا ما كانت الحياة الثقافية داخل الصحف وخارجها، كما هو معروف، بات يغلب عليها الشللية والغيرة والصراع، وتغليب المصالح الشخصية على المصالح العامة، ونزوع الرغبة فى الرواج حتى لو أدى إلى أن تخبو «القيمة»، فهنا تتضاعف آلامها ووجيعتنا.
وقبل أيام صدر عن دار «الشروق» كتاب عبلة الروينى الجديد «لا سمع ولاطاعة» تحكى فيه تجربتها فى الكتابة الصحفية التى تنقلت فيها بين صحف ومجلات حزبية مثل الأهالى واليسار وأدب ونقد، وصحف توصف بأنها مستقلة مثل الوطن وصحف عربية مثل الحياة والسفير، وعملها الوظيفى محررة ثقافية فى مؤسسة الأخبار القومية، على امتداد 45 عاما.
فى الكتاب تتداخل سيرتها الشخصية مع سيرتها المهنية. فهى الابنة الوحيدة الوسطى لأسرة تتكون من ثلاثة أبناء تنتمى لأب ومهندس ميكانيكى، وخاله هو الدكتور محمد حسين هيكل، مؤلف زينب كأول رواية عربية، وزعيم حزب الدستوريين الأحرار، ومؤسس صحيفة السياسة، التى كانت من أوائل الصحف المصرية، التى أفردت ملحقا أسبوعيا لمتابعة الواقع الثقافى والأدبى والفكرى الذى كان آن ذاك يحفل بالحيوية والتنوع والابتكار. ولعل ذلك كان مصدر شغف والدها بشعر بيرم التونسى وشعر شوقى بصوت محمد عبدالوهاب.
أما تجربتها المهنية الممتدة، فهى مثال حى على النتائج الحتمية، لذلك الهامش المحدود الهش لحرية الصحافة والرأى والتعبير، الذى يخنق المواهب بالرقابة المرئية والسرية، وبالمصادرة والحذف والتهميش، ويفتح الأبواب المغلقة أمام التفاهة والركاكة، والتسلق والمصالح الصغيرة والعقول الخاوية، التى تتصدر المشهد ويُرفع من شأنها، وتنطق دون خجل لغة المصالح الصغيرة، وينمو الفساد ويعشعش فى أرجاء المؤسسات، وهو يتخفى بشعارات براقة، ترفض كل مساءلة أو تراجع، بدعوى الحفاظ على الاستقرار.
يكشف كتاب عبلة الروينى، مدى صلابتها النفسية، وعن قدرتها على ضبط النفس التى ربما استمدتها من دراستها للفلسفة، فى مواجهة سنوات المنع من الكتابة، والتحايل على كل أشكال الرقابة لمواصلتها، والاستفادة منها لتعلم لغة التكثيف والاختزال والتمويه، لكى تصل كلمتها كما تريد، ولكى تحافظ على استقلالها الثقافى والسياسى خارج التأطير والتنميط والذى كان الحفاظ عليه هو معركة العمر. وأثناء تلك المعركة، تظل محتفظة بأسلوبها الساحر ولغتها العذبة اللذين شكلا قدرتها البارعة على التعبير بسلاسة، ورافضة أوامر السمع والطاعة، سواء كان ذلك فى عهد جماعة الإخوان، أو ما هو قبله وبعده.
«لا سمع ولا طاعة» هو صرخة مدوية فى الفضاء الصحفى والثقافى والسياسى، أن السمع والطاعة لا يصنعان تقدم الأمم، وأن الخطو إلى الأمام والنهوض والرقى، شرطه الأساسى الحرية، فهل يا ترى تجد من يصغى إليها؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض