رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

ماذا تفعل إسرائيل والولايات المتحدة ما بعد طوفان الأقصى أكتوبر ٢٠٢٣، وماذا تفعل مصر؟...

فى علم العلاقات الدولية؛ تُعدّ نظرية توازن القوى إحدى النظريات السياسية فى حقل العلاقات الدولية، وتفترض أن الاستقرار يتحقق عندما تحافظ القوى المتعارضة الكبرى على مستوى متقارب من القوة، بما يكبح طموحات كل منها تجاه الأخرى. وترتكز هذه النظرية على المدرسة الواقعية فى العلاقات الدولية، التى ترى أن الدول تسعى بطبيعتها إلى تعظيم قوتها لتحقيق مصالحها الذاتية، وهو ما ينعكس على طبيعة التراتبية داخل النظامين الدولى والإقليمى. وعندما يكون توزيع القوة متوازناً بين الدول الكبرى، فإن ذلك يعزز منطق الضبط المتبادل والأمن الجماعى، إذ لا تستطيع أى دولة أن تنخرط فى سلوك عدوانى دون أن تواجه احتمال الرد من القوى الأخرى. وعلى النقيض، فإن هيمنة قوة واحدة غالباً ما تؤدى إلى عدم الاستقرار واندلاع الصراعات، بالتطبيق على منطقة الشرق الأوسط نجد أن كلا من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تعملان على نقل نمط الهيمنة الأمريكية أحادية القطبية على المستوى العالمى إلى إسرائيل ليصبح الكيان العبرى هو القطب المهيمن على مستوى الشرق الأوسط.

منذ وعد «بلفور» ١٩١٧ ومحاولات رعاة إسرائيل فى المنطقة لا تنقطع من أجل فرض هذا الواقع، وتجاوز المنطق من أن تصبح دولة صغيرة المساحة ومحدودة السكان هى الطرف المهيمن على إقليم كبير به العديد من القوى الإقليمية المركزية كالشرق الأوسط. ناهيك عن الفواعل المسلحة من غير الدول وحركات المقاومة التى تشكلت لمناهضة هذا الاحتلال الغاصب الأرض، المتجاوز للسيادة، صاحب الأوهام والمخططات التوسعية. لكن الفرصة جاءت على طبق من ذهب فى أكتوبر ٢٠٢٣ للتخلص من هذا المحور، الذى أطلق عليه «محور الإسناد» والمقاومة. فى سياق إقليمى تعانى فيه كل من: سوريا، العراق، اليمن، الصومال، وليبيا، والسودان ضعفا وتراجعا يصل حد الهشاشة فى بعض الحالات. ومع دعم أمريكى مطلق، وتحييد إيران إن لم يكن تلجيم طهران، بدأت المرحلة الأولى من تهيئة الساحة وإعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر تغيير معادلات وتوازن القوى الإقليمية فيه لصالح إسرائيل.

فى المقابل تبنت مصر مقاربة مغايرة تماما لمنطق الهيمنة، وعملت على تشكيل محور موازن يمكن أن نطلق عليه «محور الاستقرار» هذا المحور يستند إلى عدد من الركائز؛ حيث مصر والمملكة العربية السعودية ركيزة أولى، ومصر والمملكة العربية السعودية وتركيا ركيزة ثانية، ومصر والمملكة العربية السعودية وتركيا وقطر ركيزة ثالثة. ومصر والأردن والعراق ركيزة رابعة، ومصر وتونس والمغرب والجزائر ركيزة خامسة. 

وهكذا راعت التوجهات المصرية بواقعية شديدة واقع إقليم متعدد القوى الإقليمية لا يحتمل منطق القطب الإقليمى الواحد، وانطلقت الرؤية المصرية من قناعة أن منافع التنسيق والتعاون بين تلك القوى أفضل بكثير من تنافسها. ثمار هذا المحور الموازن متعدد الركائز ظهرت فى غزة، وفى التصعيد الأخير ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وليس خافيا على أحد؛ الدور المصرى السعودى، التركى، والقطرية بالتنسيق مع روسيا فى تأجيل الضربة الأمريكية المحتملة ضد إيران، بما حال حتى الآن دون انزلاق الإقليم إلى مواجهة مفتوحة كانت ستصب، فى نهاية المطاف، فى مصلحة مشروع الأحادية الإقليمية الإسرائيلية. وما بين «محور الهيمنة الأمريكى الإسرائيلي» و«محور الاستقرار» بقيادة مصرية يتأرجح مستقبل الشرق الأوسط، بين سلام الهيمنة (الذى يفرضه القهر) وبين سلام الاستقرار (الذى يتطلب توازناً دقيقاً). الخيار الثانى مجهد ويحتاج لنفس طويل، لكنه الوحيد الذى يضمن ألا تظل المنطقة «برميل بارود» ينتظر عود ثقاب.