تجاوز زواره ٦ ملايين
معرض الكتاب نجح جماهيريًّا.. ولكن!
ناشرون: الإقبال ظاهرى فقط وعلى الحكومة أن تعتبر النشر صناعة تنويرية
أبوالليل: دورة ناجحة وطموحاتى أكبر مما تحقق
حجم المبيعات لا يعوض ارتفاع أسعار الأجنحة
كُتاب: الفعاليات تحتاج لرؤية جديدة ومراجعة أسماء الضيوف
منذ زمن الورّاقين وشارع المتنبى ببغداد، مرورًا بسور الأزبكية ومعرض مدينة نصر، وصولًا للتجمع الخامس، والكتاب هو بطل الحكاية، والهدف الأول لحشودٍ تقطع المسافات وتتحمل الأعباء.. قراءً وكُتابًا وناشرين..
ورغم كل شيء، فقد ضرب معرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته السابعة والخمسين التى لملمت أوراقها ورحلت عنا أمس مثلًا يندر فى احتشاد الملايين فى مكان واحد.. هكذا قد تجاوز عدد الزائرين ستة ملايين زائر فى أيام انعقاده القليلة، وهو ما يتخطى أى دورة انعقاد فائتة، لكن.. هل يعد ذلك كافيًا؟ هل نعتبر تلك الحشود دليل الإقبال على شراء الكتب، وهل يمكننا أن ننتزع من أعداد التذاكر المباعة اعترافًا بأن حال الثقافة بمصر صار بخير؟
حقيقة، فإنه لا يمكن بحال إنكار أن تلك الدورة تعد مختلفة، واتسمت بزخم غير مسبوق، على مستويات عدة، سواء عدد الفعاليات الذى وصل إلى ٤٠٠ فعالية، أو عدد الناشرين الذين تخطوا ١٤٠٠ ناشر، أو طبيعة المبادرات والمفاجآت التى قدمتها وزارة الثقافة، إلا أن كل ذلك قد افتقد أمورًا مهمة، أولها مدى واقعية تلك الأعداد الزائرة، ومدى فاعليتها وقوتها الشرائية الفعلية، هل كل الزائرين قراء، هدفهم الأول هو اقتناء الكتب وحضور الفعاليات، أم أن للأمر وجهًا آخر؟ وهل يكفى اعتبار المستوى الجماهيرى «الظاهري» معيارًا للنجاح؟

واقعيًا، دعونا نتعرف على بعض نقاط الضعف التى تحدث عنها الوسط الثقافى، علنا نتجنب حدوثها فى السنوات المقبلة..
بداية، هناك بعض الأخطاء التنظيمية، الأمر بدأ بعد إعلان برنامج الفعاليات وافتتاح المعرض رسميًا، ففى ظاهرة غريبة لم تحدث من قبل، شكا عدد من المثقفين والأدباء من إجراء تغيير فى بعض أسماء ضيوف الفعاليات، واستبدل بها أسماء أخرى، وهو ما أثار علامات استفهام كثيرة، فى الوقت الذى تكررت فيه أسماء، حلت ضيوفًا ومتحدثين لأكثر من فعالية.
أما فيما يتعلق بالفعاليات المنعقدة، فرغم أهمية وثقل محاورها، فقد كان عددها مبالغًا فيه، وهو ما أدى لانعقاد أكثر من فعالية مهمة على التوازى فى التوقيت ذاته مما شتت الجمهور، وجعل الإقبال على بعض الندوات ضعيفًا، إلى الدرجة التى رأينا فيها ندوات وأمسيات تخلو من الجمهور تقريبًا، وظهرت المقاعد فارغة، فى مشهد لم نره فى دورات كانت أقل زخمًا من تلك، كما لاحظنا عدم الاهتمام ببعض المبادرات المهمة، اللهم باستثناء يوم انطلاقها، مثل مبادرة بيع وشراء حقوق الملكية الفكرية، والتى رغم أهميتها، فقد شكا الكثيرون من عدم قدرتهم على الوصول إليها، فهل كان من الصعب أن يخصص لها مكان واضح بعيد عن زحام الأجنحة؟ أو أن يتم تسهيل الوصول إليها باستخدام أسهم ولافتات واضحة؟ كما لوحظ أخطاء فى توجيه التطبيق المتاح للسؤال عن إصدار أو مكان دار ما، حيث يتم إرسال معلومات مغلوطة للسائل عن مكان تواجد كتاب ما.
ولأن كل ما سبق يمكن تداركه فى الدورة المقبلة، فلن نتوقف عنده طويلًا، ودعونا ننتقل للشق الأهم، وهو ما تركنا مساحة التعبير عنه للمشاركين؛ ناشرين وكُتابًا ومسئولين، بعضهم كان يحمل فى حلقه غصة، أبداها فى ملاحظات، والبعض رأى فى تلك الدورة نجاحًا ملحوظًا.
إقبال المصريين والعرب سبب النجاح
بداية أكد د. خالد أبوالليل، القائم بأعمال رئيس الهيئة العامة للكتاب، أنه ورغم رضائه عن تلك الدورة من معرض الكتاب، إلا أن طموحاته كانت أكبر من ذلك بكثير، لأن مصر دولة عظيمة بمؤسساتها ومثقفيها وشعبها الواعى وقيادتها الحكيمة التى تدرك معنى الثقافة بلا ضجيج، وكيف تنساب الثقافة فى الحس الشعبى للناس بهدوء.
متابعًا: إن مثل هذه الدورة عندما تنطلق باسم مصر وتحت رعاية الرئيس، فهى تحملنا مسئولية كبيرة جدًا، وتجعلنا نشعر بأن ما قدمناه مهما كان كبيرًا فهو قليل، ومهما كان الناتج فهو أقل كثيرًا مما تستحقه مصر.
وعن الانطباعات عن تلك الدورة، أكد د. خالد أن كل الانطباعات سواء من الناشرين أو الجمهور، هى انطباعات إيجابية وتحمل مسئولية كبيرة.
مختتمًا: إن جزءًا من نجاح هذه الدورة هو إقبال الأشقاء العرب والعالم على المعرض نظرًا لمكانته الكبيرة جدًا.
مؤكدًا أنه حتى لو كانت هناك أى سلبية ما، فهو أمر طبيعى وسوف يتم تلافيه فى الأعوام المقبلة، فالمهم أن الأفكار المهمة موجودة وتم تنفيذها بالفعل.
معرض الكتاب ظاهرة يصنعها الجمهور
وبفرحة غامرة ابتدرنى الكاتب والناقد شعبان يوسف، بقوله إن تلك الدورة من معرض الكتاب هى دورة مهمة جدًا لأسباب عديدة؛ فقد تم استدعاء د. أحمد مجاهد لخبرته الكبيرة فى المعارض، وتلك سابقة لم تحدث من قبل فى تاريخ معرض الكتاب، وهو ما يعكس حرص الوزارة على نجاح تلك الدورة.
مضيفًا: لا يصنع ظاهرة معرض الكتاب سوى الجمهور، ولا يوجد مقياس للنجاح أو الفشل سوى حضور الجمهور وإقباله على الفعاليات والأجنحة.
مؤكدًا أن عدم الإقبال على بعض الندوات بعكس غيرها لا علاقة له بالتنظيم، فهو أمر طبيعى ويعود لذائقة الجمهور ذاته. وفى النهاية، فإن تلك الدورة ناجحة جدًا.
ندوات تعانى من التقليدية
وفى رؤية بانورامية محددة، يرى الكاتب والناقد، د. شريف صالح، أن معرض الكتاب حدث قومى وثقافى عظيم، يتواجد به كل أطياف الشعب المصرى، وهناك مسارات مختلفة من الكتابات والكُتاب، وبالتالى ينعكس ذلك على الندوات والفعاليات والأنشطة.
ويؤكد د. شريف أن ما يبدو من الصور والأرقام أن الشعب المصرى يعبر عن حبه للثقافة والفنون، بإقباله على المعرض، فمن المهم حرص الأسر المصرية مهما كانت الظروف الاقتصادية على أن يتشرب أبناؤها السلوك الثقافى ويقتنوا بالكتب، ويصبح السلوك الثقافى عادة، أما الإقبال على الندوات، فإن تلك الندوات تعانى من التقليدية، وبحاجة لإعادة النظر فى اختيار الضيوف والمشاركين، وبحاجة لصياغة مختلفة تتيح فرصة أكبر للشباب وللرؤى المبتكرة، التى توفر التكنولوجيا وتستثمر فى المنصات، فهى بصورتها الحالية قد فقدت معناها، ذلك أن الأمر ليس له علاقة بكثرتها ولا بقلة الحاضرين، فالمشهد كله بحاجة لفلسفة ورؤية جديدة مختلفة عن الوضع الحالى.
البيع أونلاين أثر على القوة الشرائية بالمعرض
بينما يرى الناشر فتحى المزين، أن تلك الدورة تعتبرها بعض دور النشر قوية وناجحة، فيما يراها البعض الآخر ضعيفة، وهو أمر متعلق بالزخم والإنتاج الأدبى لكل دار. لكن هذه الدورة أفضل من سابقتها على مستوى الحراك وحضور وإقبال القراء والشراء. أيضًا من الناحية التنظيمية، تعد أفضل كثيرًا من الدورة الماضية، فقد تم تلافى أخطاء الدورة السابقة، حيث كان كل شيء جاهزًا ومعدًا قبل الافتتاح بيومين.
ويتابع المزين: بالنسبة لأسعار الأجنحة المرتفع، فإن ذلك سببه أن الحكومة لا تعتبر النشر صناعة تنويرية، بل تتعامل معه بشكل حيادى. فالهيئة تستأجر المعرض من أرض المعارض بسعر محدد تلتزم به، مما يضطرها لرفع الأسعار كثيرًا.
وعن القوة الشرائية للزائرين، أكد المزين أن البيع أونلاين قد أثر على حركة البيع داخل المعرض، لكن حركة البيع مقارنة بسعر الأجنحة تعد ضعيفة للغاية.
<< رغم الخصومات والزحام.. الجمهور معظمه ليس قارئًا
وبنظرة أسف تلوح بعينيها، أكدت الناشرة نسرين يوسف، أن الإقبال الجماهيرى الواضح ليس مبهرًا بشكل عام، فالجمهور رغم الخصومات التى نقدمها يرى أن أسعار الكتب مرتفعة. ربما مرجع ذلك لتأثير قرب شهر رمضان أو لوجود أزمات اقتصادية.
وعن التنظيم، أكدت نسرين أنه جيد جدًا، ولم نواجه أى مشكلات. فالمشكلة الأساسية أن الجمهور ليس جمهور قراءة، فمن يشترى إما قارئًا متخصصًا وهو نادر، أو ذلك القارئ الذى يبحث عن كاتب ذى شعبية كبيرة، أو أن يكون القراء أصدقاء الكاتب.
المعرض تحول لحديقة عامة
بدأت إجابتها بابتسامة حزينة.. فقد قالت الناشرة ميرفت دهان: كناشرة، لم أستفد بشكل عام من هذا الإقبال الكبير على المعرض. فهناك ارتفاع فاحش فى أسعار إيجار الأجنحة، وهو ما لا يتناسب مع القوة الشرائية.
متابعة: إن الزحام الشديد لا يعنى أن هذا هو القارئ، بل يعنى أن الأسر تحولت من زيارة الحدائق العامة إلى زيارة المعرض كحديقة عامة، وزيارة الأسرة للمعرض هو أمر مفرح فى حد ذاته، ولكن هذا التواجد لا يعد بالضرورة تواجدًا بالأجنحة بغرض الشراء، فنسبة البيع لا تتناسب أبدًا مع ما تم دفعه فى إيجار الجناح. فلكى تتناسب، لا بد من بيع أربعة أو خمسة أضعاف ما يتم بيعه فعليًا يوميًا لتغطية إيجار الأجنحة وغيره من أوجه الإنفاق.






تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض