كان امام العباد و هو في مكة يستقبل قبلة بيت المقدس فيجعل الكعبة أمامه و يتجه في نفس الوقت إلى بيت المقدس و بذلك يجمع بين الحسنيين ، فقد روي عن ابن عباس ان رسول الله كان يصلي وهو بمكة نحو المسجد الاقصى والكعبة بين يديه رواه أحمد.
ثم أذن الله للمسلمين بالهجرة المباركة إلى المدينة، وبنيت المساجد وشرع الأذان لكن تعذر علي النبي الجمع بين القبلتين فكان اذا استقبل بيت المقدس استدبر الكعبة و إذا استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس لذا التزم امر الله و ظل يصلي علي هذا النحو سبعة عشر شهراً و أثناء تلك الفترة لم ينس حبّه الشديد للكعبة وحزنه علي عدم استطاعته استقبال القبلتين و بقيت تلك الأمنية الشخصية تسكن روحه و لا تفارق تفكيره بالرغم من ضيقه من غمز و لمز يهود المدينة و معايرتهم لصحابته باتباع قبلتهم ، لطالما كان المصطفي يجتهد و يلح بالدعاء و يقلب وجه الكريم كل ليلة في السماء يشتهي قبلة الحب فشرع الله له ما يشتهيه و يحبه و لما لا فهو أول بيت وضع للناس بناه أبيه الخليل ابراهيم عليه السلام ومنطقياً ادعي لدعوة العرب الى الاسلام ،فكانت أمنا عائشه تقول له ما أري ربك الا يسارع في هواك و بالفعل نزل الأمين جبريل يزف اليه البشري بالتوجه إلى ما يرضيه "قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره"
لقد مر الدين الجديد بمنعطفات حادةً حدثت فيها أمور جلل بدأت بالإسراء و المعراج ثم تحويل القبلة هذه الاختبارات الصعبة زلزلت أفئدة المسلمين زلزالاً شديداً فمنهم من سقط في براثن الشك و منهم من ثبت الأيمان في قلبه كالرواسي الشامخات و هؤلاء المؤمنين امتدحهم المولى عز وجل فقال فيهم"وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله "
كان تحويل القبلة سبباً مباشراً في بروز قضية جوهرية غير معهودة او مألوفة للمسلمين وهي النسخ القراني فكما روي النسائي ان أول ما نسخ من القرآن كانت القبلة لذا كرر الله الأمر بها تأكيداً وتقريراً ثلاث مرات الأولى " فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " والثانية "ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون " و الثالثة " ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم "
أظن و ليس كل الظن إثم ان تحويل القبلة اكثر من مجرد شعيرة دينية بل فعل سياسي و ثقافي مكتمل الاركان فهو يؤسس بوضوح لاستقلال الهوية الاسلامية بتميّز عبادتها عن غيرها من الأمم السابقة التي حرفت وبدّلت .
للاسف لقد أضحت المواسم و المناسبات الدينية عملية روتينية يكرر فيها الوعاظ نفس إلاكليشيهات الرتيبة التي تبعث علي الضجر و الملل فالأجيال الجديدة بحاجة إلى لغة مختلفة و سرد حداثي ينتشلهم من هوة التغريب و الإلحاد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض