رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

بسهمٍ معدنيٍ قصير، ولوحةٍ مستديرةٍ صغيرةٍ ملوّنة، تبدأ حكاية رياضة يعرفها قطاعٌ واسع من المصريين والعرب على أنها مجرد لعبة تصويب عابرة، تعتمد على الصدفة والحظ، ولا تتطلب مهاراتٍ خاصة.
غير أن الحقيقة أبعد ما تكون عن هذا التصور السائد.

إنها رياضة الدارتس (Darts)، واحدة من أكثر الرياضات الذهنية تعقيدًا، وتجسيدًا للتفوق البشري حين يجتمع التركيز، والدقة، والحساب الذهني في لحظة واحدة.

رياضة تنتمي إلى عائلة ألعاب الرمي، تُمارس بإطلاق ثلاثة أسهم قصيرة لا يتجاوز طول السهم الواحد 17 سم، ويتراوح وزنه بين 18 و25 جرامًا، باتجاه لوحةٍ مستديرةٍ مرقّمة، مقسّمة إلى 82 قسمًا ملونًا، لكل منها قيمة رقمية دقيقة بين 1 و20 ومضاعفاتها.

تُعلّق اللوحة رأسيًا على ارتفاع 173 سم، ويقف اللاعب خلف خط الرمي على مسافة 273 سم، ساعيًا لتحقيق أعلى قيمة رقمية ممكنة، ثم يقوم ذهنيًا بطرح مجموع الأسهم الثلاثة من الرقم الأساسي للعبة (501) في سباقٍ ذهنيٍ محموم للوصول إلى الصفر قبل المنافس.

الدارتس ليست لعبة حظ، بل لعبة عقل من الطراز الأول، تعتمد على مهارتي التصويب والحساب في توقيتٍ متزامن ودقيق.

تُمارس الدارتس عالميًا على مستوى الهواية والاحتراف، فرديًا، وزوجيًا، وفرقًا، للرجال والسيدات، وللناشئين من سن 8 سنوات، دون حد أقصى للعمر، في ميزة نادرة قلّما تجتمع في رياضة واحدة.

نشأت رياضة الدارتس في إنجلترا عام 1886، وانتشرت مع الإمبراطورية البريطانية إلى مختلف أنحاء العالم، ثم شهدت طفرة كبيرة عقب الحرب العالمية الثانية بانتقالها إلى الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا وأستراليا.

ومنذ عام 1976 أصبح لها اتحاد دولي للهواة، إلى جانب اتحاد المحترفين الذي تأسس عام 1992.
ورغم هذا الانتشار العالمي الواسع، ظلت الدارتس غائبة عن مصر والعالم العربي والشرق الأوسط ومعظم إفريقيا… حتى بدأت قصة مختلفة.

في عام 2009، انطلقت جهود فردية واعية لإدخال اللعبة إلى مصر، قادها الدكتور يحيى عبد القادر، مؤسس الاتحاد المصري، والإفريقي، والعربي للدارتس.

تُوّجت هذه الجهود بتأسيس الاتحاد المصري للدارتس رسميًا عام 2014، ثم الاتحادين الإفريقي والعربي عام 2022، لتصبح مصر نقطة الانطلاق، وقاطرة القيادة للدارتس على المستويات المحلي، والقاري، والإقليمي لإعداد أجيال من اللاعبين القادرين على المنافسة الدولية، هواةً ومحترفين.

نجح الاتحاد المصري للدارتس في إطلاق بطولة مصر الدولية الأولى عام 2019 بمدينة مرسى علم، كأول بطولة دولية للدارتس في مصر وإفريقيا والعالم العربي، وتم قيدها رسميًا على أجندة الاتحاد الدولي.

وفي ديسمبر 2025، استضافت شرم الشيخ النسخة الأخيرة من البطولة بمشاركة 23 دولة و260 لاعبًا ولاعبة، في مشهد يعكس حجم التطور السريع والمكانة المتقدمة التي وصلت إليها مصر.

وفي خطوة تاريخية، تبنّى مجلس إدارة الاتحاد المصري للدارتس ملف استضافة بطولة كأس العالم للدارتس 2027، بعد مرور خمسين عامًا على انطلاقها.

وخلال اجتماع الجمعية العمومية للاتحاد الدولي للدارتس في كوريا الجنوبية – سبتمبر 2025 – فاز الملف المصري بالأغلبية الساحقة، محققًا 56 صوتًا من أصل 58، متفوقًا على ملفات كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمجر، إضافة إلى دعم 14 دولة شاركت عبر التصويت الإلكتروني.

ثقةٌ دوليةٌ مستحقة، جاءت نتيجة القدرات التنظيمية المصرية، والخبرة المتراكمة في استضافة الفعاليات الرياضية الكبرى.

استضافة كأس العالم للدارتس ليست مجرد حدث رياضي، بل قيمة مضافة للاقتصاد والسياحة والثقافة، وتعزيز لمكانة شرم الشيخ كعاصمة للرياضة العربية، وتأكيد على قدرة مصر على الجمع بين الاحتراف الرياضي والإشعاع الحضاري.

إنه تنظيم يبعث برسالة سلام، وصداقة، وتواصل بين الشعوب، ويعيد التأكيد على دور الرياضة كجسر للتقارب والتفاهم الإنساني.

من كان يتوقع أن رياضةً بحجم هذا السهم الصغير، وبهذه اللوحة المتواضعة، تستطيع أن تفرض نفسها على المشهد الرياضي في مصر والعالم العربي وإفريقيا خلال سنوات قليلة؟

ومن كان يتصور أن خلف هذا السهم كل هذا الإبداع، والتميّز الذهني، والحضور العالمي؟