رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

فى زمن يفيض بصناعة «العباقرة»، تعود أسئلة الإبداع إلى الواجهة لا لتسقط الفرد، بل لتضعه فى سياقه الصحيح: شبكة من القراءات، والحوارات، والتأثيرات المتبادلة، حيث لا يولد النص من فراغ، ولا يكتمل إلا بالآخرين. الإبداع— كما تعلمنا التجربة— ليس عزلة بطولية، بل تمريناً طويلاً على الإصغاء، والتقاط الخيوط، ثم إعادة نسجها بنبرة جديدة.

هذا المعنى التراكمى للإبداع التقطته بذكاء لافت إحدى عضوات الصالون الأدبى فى تعليقها على مقالى عن «أسطورة العبقرية». قراءة تحرر المخيال من صورة الفرد المنعزل، وتعيد الاعتبار لفهم جماعى لإنتاج المعرفة، فى زمن يميل إلى تمجيد الأبطال أكثر من تفهم الشروط التى تجعل إنجازهم ممكناً. والأجمل فى هذا التعليق أنه لم يغلق السؤال، بل فتحه على مصراعيه: هل يكفى التراكم وحده لصناعة التحول؟ أم أن لحظات بعينها تحتاج إلى فرد يمتلك حساسية استثنائية لالتقاط ما لم تره الجماعة بعد— ذلك “الانحراف” الصغير الذى يغير المسار؟

هذه الفكرة— الولادة فى المسافة بين الفرد والجماعة— تجد تمثيلاً سينمائياً بليغاً فى فيلم Il Postino، حين يهدى ساعى بريد بسيط قصيدة لحبيبته، مدعياً أنها من تأليفه، بينما هى للشاعر التشيلى المنفى Pablo Neruda. يعاتبه نيرودا، فيرد الشاب بجملة تربك مفهوم الملكية: “مجرد أنك كتبت القصيدة لا يعنى أنها ملكك. لا يملك الشعرمن كتبه، بل من يحتاج إليه.” هنا يصبح القارئ شريكاً فى المعنى، ويغدو الشعر بيتاً يسكنه المسافر وابن السبيل ومن يحتاج إلى مأوى.

وليس هذا التصور غريباً عن النقد العربى القديم. ففى كتاب «العمدة»، ناقش ابن رشيق ظواهر الاقتباس والتداخل، مميزاً بين السرقات الصريحة وأنماط أخرى من الاستفادة المشروعة، بل أشار إلى تنازل الشاعر عن بيت لغيره طوعاً. كأن القصيدة حساب مشترك فى «بنك الإبداع»، إرث تتناوبه الأجيال.

وفى النقد الحديث، قدم هارولد بلوم مفهوم «الانحراف (clinamen)، مستلهماً الفيلسوف الرومانى لوكريتيوس، حيث لا يحدث التغيير إلا بانحراف دقيق فى مسار الذرات. هكذا أيضاً يولد النص الجديد: إصغاء عميق لما سبق، ثم جرأة على ميل صغير يصنع الفرق.

حتى الحكايات الطريفة تؤكد هذا المعنى. يروى عبدالفتاح كيليطو فى كتابه «الكتابة والتناسخ» أن Mozart موزارت تنازل عن واحدة من أعماله الموسيقية لصديق مبتدئ، فى إيماءة تحرر الإبداع من قيد الملكية الصارمة.

من هنا، تبدو العبقرية لا ساكنة فى عزلة رومانسية، ولا ذائبة بالكامل فى الجماعة، بل مولودة فى تلك المسافة الخصبة بينهما. فرد يحسن الإصغاء، ويجرؤ على انحراف محسوب— انحراف للإبداع— فتتقدم الجماعة خطوة إلى الأمام. هذا هو الدرس الأهم: لا نص بلا قراء، ولا فكرة بلا أسلاف، ولا عبقرية بلا حوار مفتوح مع العالم.