مُبِين
توقفتُ منذ فترة عن حضور المؤتمرات الأدبية كما كنت أفعل من قبل. لم يكن ذلك زهدًا فى الأدب، ولا مللًا من الأسئلة، بل كان نتيجة طبيعية لتحوٍّل فرضته الظروف، وكرّسته التكنولوجيا. منذ أزمة كورونا، صار الحضور ممكنًا من بعيد؛ شاشة مضيئة، صوت يصل متأخرًا قليلًا، ووجوه تُختزل فى مربعات صغيرة. اكتفيتُ بالمراقبة من الخارج، أتابع الجلسات وأقرأ البيانات الختامية وأستمع إلى النقاشات دون أن أكون جزءًا مباشرًا من المشهد. كنتُ أظن أن المسافة ستمنحنى حيادًا أكبر، وأن البعد سيخفف الملل القديم، لكن الغريب أن المتابعة من بعيد جعلت الصورة أوضح، كأن الضجيج حين يبتعد، تنكشف التفاصيل أكثر.
وبعد فك حصار الفيرس، قبلتُ إحدى دعوات الحضور المباشر، كنتُ أختبر حدسى، و أراجع حكمًا سلبيًا سبق أن كوّنته. قلت لنفسى إن القاعة قد تقول ما لم تقله الكاميرا، وإن الوجوه حين تُرى عن قرب قد تثبت شيئًا من حداثتها.
دخلتُ القاعة وأنا أحمل ذلك الأمل؛ أن أرى وجوهًا جديدة، أن أسمع نقاشات مختلفة، ان أرى الأدب وهو يتنفس.
كانت القاعة أنيقة، والبرنامج مطبوع بعناية، جلستُ أراقب الوجوه التى أعرفها جيدًا، لأننى رأيتها كثيرًا. فى المؤتمرات نفسها، فى المدن نفسها، وبالكلمات نفسها تقريبًا. سألت نفسى بصمت؛ هل الأدب لدينا فقير إلى هذا الحد؟ أم أن أبوابه تُفتح دائمًا للمفاتيح نفسها؟
حين بدأت الجلسات، أدركت أجابة السؤال. المتحدثون يتناولون محاور كبرى ؛ التجديد، التحولات، الأصوات الجديدة. لكن المفارقة المؤلمة أن هذه العناوين كانت تنتهى فور النقاش، فالأصوات التى ترتفع فى القاعات لم تتغير . كنت أسمع كلامًا صحيحًا، لكنه بلا حرارة، بلا مخاطرة، قيل من قبل، وسيقال من بعد.
تذكّرت كاتبًا شابًا التقيت به قبل أشهر، كان يحمل مشروعًا أدبيًا مختلفًا، نظرتُ حولى، لم أجده. هل لأنه لا ينتمى إلى الدوائر المغلقة؟ هل لإنه لا يعرف الطريق المختصر إلى المنصة؟. سلمتُ وقتها أن ضيوف المؤتمرات ربما يتم اختيارهم على أساس منْ يعرف منْ. لا منْ يقدم ماذا.
فى استراحة القهوة، دار حديث جانبى مع المنظمين عن ضيق الوقت والظروف التنظيمية وهى أعذار جاهزة تُستخدم لتبرير غياب التنوع. لكننى كنت أعلم، كما يعلم كثيرون، أن الأمر أعمق من ذلك. إنه اختيار مريح، آمن، لا يزعج أحدًا، ولا يطرح أسئلة محرجة. اختيار يشبه إعادة ترتيب المقاعد ذاتها، ثم الادعاء بأن المشهد تغيّر.
وأنا أخرج من القاعة فى اليوم الأخير، سألت نفسى؛ من المسؤول؟
هل هى اللجان التى تختار دون ان تكلف نفسها عناء البحث؟
أم المؤسسات التى تفضّل الأسماء الصديقة؟
أم نحن، حين نصمت ونعتاد المشهد ونتوقف عن الاعتراض!.
خرجتُ وأنا أكثر يقينًا بشىء واحد؛ أن المؤتمرات الأدبية لا تُقاس بعدد ضيوفها، بل بالحياد فى اختيارهم. وأن الضيف الحقيقى هو من يأتى محمّلًا بالمعرفة ، لا بالشهرة؛ وبالقلق، لا بالاطمئنان. وان يقول الصحيح، لكن لا يترك الصعب منه.
فالمؤتمرات الأدبية، فى جوهرها، ليست حفلات استقبال، بل لحظات مساءلة للفكر والكتابة والضمير الثقافى.
إن الضيف فى المؤتمر الأدبى ليس مجرد مقعد مشغول أو صورة فى بيان ختامى، بل هو عقل مشارك، وتجربة إنسانية، وصوت يحمل مشروعًا. ومن هنا، فإن اختيار الضيوف ينبغى أن ينطلق من الاستحقاق الثقافى الحقيقى، وألا تتحول المؤتمرات إلى ممارسات إقصائية لمنْ لا نفوذ له، فتناقض بذلك جوهر الأدب الذى وُجد أصلاً ليمنح الصوت لمن لا صوت له.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض