على حين غرة تفاجأت وسائل الإعلام بعقد لقاء ودى بين العدوين اللدودين ترامب وممدانى فحشدت تغطية صحفية غير مسبوقة وهو ما أثار حفيظة واستغراب ترامب، فهذا الصخب لم يحظ به زعماء مرموقون، والإجابة ببساطة لانه ليس مجرد حدث بروتوكولى عابر بل محطة سياسية تستحق التأمل، لا سيما وأن نبرة التحدى بينهما بلغت ذروتها، فلم يتركا مناسبة إلا وهاجم أحدهما الآخر بتراشق لفظى عنيف لدرجة وصف ترامب ممدانى بالشيوعى المجنون، ورد ممدانى الصفعة ونعته بالطاغية الفاشى، ولكن سبحان مغير الأحوال فهذا اللقاء الذى جاء فى لحظة فارقة للطرفين مثلت انقلابًا مثيرًا فى ديناميكيات السياسة الداخلية، نتج عنها تحول لافت فى خطاب ترامب ما يعد مؤشرًا لتغير المزاج السياسى بعدما عبر عن رضائه عن الاجتماع ووصفه بأنه بناء للغاية، مشيرًا إلى أنه يريد مساعدة ممدانى لا إيذاءه.
بالتأكيد هذه اللغة الناعمة ليست صدفة وإنما هى تكتيك ترامبى يدرك أن الصدام الأيديولوجى الفارغ لا طائل من ورائه، فنيويورك هى التفاحة الكبيرة للاقتصاد الأمريكى الذى يعانى من مشاكل جمة، لذا التعاون البراجماتى مع عمدتها الجديد مهما كان اشتراكيًا تقدميًا سيكون مفيدًا لسياسات ترامب فى لحظة ما، وهو ما حفز بروز الدوافع البراجماتية، فممدانى يدرك أنه بحاجة ماسة إلى المخصصات الفيدرالية حتى يتمكن من تمرير مشروعه الطموح لتحسين المستوى المعيشى للنيويوركيين، لذا تخلى مجبرًا عن الترف الإيديولوجى ولم يتردَّد فى وضع الملفات الضاغطة على طاولة ترامب الذى لم يكتف بالإنصات فقط، بل اتخذ خطوات عملية مستغلًا نفوذه للضغط على شركات كبرى مثل Con-Edison لتخفيض الفواتير المرتفعة، وأعلنَ دعمه ايضًا لبناء المزيد من الشقق السكنية منخفضة التكلفة، هذا الدهاء الترامبى يجعله فائزًا فى كل الأحوال، فإذا نجح ممدانى فى إدارة نيويورك ينسب جزء من هذا النجاح إلى دعم ومساندة ترامب، وإذا فشل فلن يستطيع أن يلقى ممدانى اللوم على عاتق ترامب، لا شك أن هذا اللقاء يرمز إلى تدشين مرحلة جديدة بين علاقة الحكومة الفيدرالية والإدارة المحلية تتجاوز خطوط التخندق الحزبى، لتبدأ مغامرة سياسية جديدة.
ترامب رئيس استثنائى غريب الأطوار، نشأته وتكوينه السياسى يجعلانه لا يكترث مطلقا بطنطنة النظريات الايديولوجية ولا المبادئ الأخلاقية، فهو يؤمن فقط بالحلول الوسطى وإبرام الصفقات التى تخدم مصالحه، فهو «نيتشوى النزعة» نسبة إلى فيلسوف القوة فردريك نيتشه، لذلك تجده يحترم المنتصرين الأقوياء، ويتعامل معهم بندية، لذا وضع ممدانى فى هذه الخانة المميزة التى سبقه إليها بوتين وشى جين بينج. الأمانة تقتضى سواء كنت معارضًا أو مؤيدًا لنهج ترامب السياسى، لكنه قدّم درسًا تاريخيًا فى فن الرد بكياسة وحنكة مذهلة على اسئلة الصحفيين المحرجة، وعلق نائبه جاى دى فانس على منصة إكس بأن هذا الأسلوب الترامبى أسطورى فى كسب المعارك مع خصومه بطريقة ذكية وسيظل عالقًا فى أذهان الناس لمدة طويلة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض