رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كبسولة فلسفية

يظن البعض أن الفلسفة مجرد كلام نظري، بعيد عن الواقع، لكن سارتر قلب هذه الفكرة رأسًا على عقب. بالنسبة له، يا صديقي القارئ، الفلسفة ليست رفاهية فكرية، بل مسؤولية أخلاقية وموقف عملي يغيّر العالم. في كتابه عن النزعة الإنسانية، يصرّح بأن الإنسان ليس فكرة جامدة، بل مشروع حيّ يصنع نفسه من خلال أفعاله.
سارتر يرى أن الحرية هي جوهر الإنسان، لكنها ليست حرية بلا ثمن. كل اختيار تقوم به، يا عزيزي، لا يحدد مصيرك وحدك، بل يساهم في رسم صورة الإنسانية جمعاء. هنا يظهر مفهوم الالتزام: أن تتحمل مسؤولية أفعالك أمام الآخرين، وأن تدرك أن كل قرار هو إعلان عن القيم التي تريد أن تسود في العالم.
قد تسألني: كيف يمكن لفكرة أن تغيّر الواقع؟ الجواب عند سارتر واضح: الفلسفة تغيّر الواقع حين تتحول إلى فعل. لا يكفي أن تقول إنك تؤمن بالحرية، بل يجب أن تعيشها، أن تدافع عنها، أن ترفض الظلم أينما كان. يا صديقي، الحرية ليست شعارًا، بل ممارسة يومية، حتى في أبسط القرارات التي تتخذها.
في زمننا الرقمي، يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحًا. هل نكتفي بالتغريدات عن العدالة والحرية، أم نلتزم بما نكتب؟ سارتر كان سيقول لك: لا تختبئ خلف الأعذار، فأنت مسؤول عن كل ما تفعل، حتى عن صمتك. الفلسفة، في نظره، ليست هروبًا من الواقع، بل مواجهة له بشجاعة، وتحويل القلق الوجودي إلى قوة للتغيير.
لكن يا عزيزي القارئ، الالتزام ليس فكرة مثالية فقط، بل تحدٍ يومي. أن تختار يعني أن تتحمل، أن تقول «نعم» لقيمة ما يعني أن تقول «لا» لعشرات القيم الأخرى. هنا يكمن القلق الوجودي الذي تحدث عنه سارتر: شعور ثقيل لكنه ضروري، لأنه يذكرك بأنك حر، وأنك وحدك من يكتب قصة حياتك.
في النهاية، الفلسفة عند سارتر ليست كتابًا على رف، بل حياة تُعاش. إذا أردنا أن نغيّر العالم، فلنبدأ بأنفسنا، لأن كل فعل صغير هو خطوة نحو عالم أكثر إنسانية. فهل ستكتفي بالمشاهدة، يا صديقي، أم ستبدأ من الآن؟
[email protected]