تعرضت لندن لحريق هائل 1666 أعقبه إعادة تخطيط عمرانى جذرى جعل منها معيارًا أوروبيًا للجمال والحداثة مما أثار إعجاب وغيرة الإمبراطور لويس نابليون الذى كان يتذمر من حالة باريس البائسة فأحياؤها المزرية ذات الشوارع الضيقة والمظلمة تنبعث منها الروائح الكريهة التى تزكم الأنوف، فكانت نقطة التحول الكبير تكليف البارون هوسمان بوضع خطة شاملة لتحسين النسق العمرانى لكن هوسمان قام بتمزيق أحشائها بهدم أحياء كاملة بنيت فى العصور الوسطى، ثم أعاد تصميمها وبناءها على طراز البوليفار، حيث الشوارع خضراء واسعة عامرة بالمقاهى والمطاعم الرائعة والمتاجر الفخمة والمتاحف والصالونات الفنية الأنيقة ليصبح عمله الثورى بمثابة ميلاد جديد لتلك المدينة الساحرة التى نراها اليوم، وأثناء زيارة الخديو إسماعيل لباريس 1867 وقع فى غرامها لذا طلب من الامبراطور نابليون الثالث أن يقوم هوسمان بتخطيط القاهرة على نفس الطراز وأن يحضر معه كل معمارى وفنان وبستانى مطلوب لتحقيق خططه وبالفعل نجح هوسمان فى تحويل القاهرة إلى تحفة فنية تضاهى أجمل المدن الأوروبية، لكنها منذ نصف القرن الماضى قاست عقودًا من الاهمال والعشوائية بسبب ظروف مختلفة يضيق المقام لشرحها فكانت كلفة التداعيات الكارثية باهظة على سمعة الدولة وصورتها الذهنية، بالإضافة إلى معاناة المواطنين اليومية الذين ضاقت عليهم القاهرة بما رحبت بعدما أضحت قرية كئيبة متوحشة ومثالًا صارخًا للتلوث البصرى والسمعى تحتاج إلى عملية جراحية عاجلة هذه المهمة المستحيلة كانت الشغل الشاغل وحلم شخصى للمهندس مصطفى مدبولى رئيس هيئة التخطيط العمرانى انذاك الذى عكف هو ومساعده عاصم الجزار على وضع تصور طموح للقاهرة 2050 تم نشره فى حوار له بالاهرام 2005 لكنه ظل حبيس الأدراج بسبب غياب الإرادة السياسية حتى جاءت لحظة التغيير 2015 عندما أعلن السيسى إنشاء العاصمة الإدارية، وبالتالى تخليص القاهرة من أعباء البيرقراطية المقيتة لتفتح شرايين جديدة تسمح بانسياب الحركة المرورية من خلال إنشاء شبكة طرق حديثة متزامنة مع مشروعات نقل جماعى عملاقة خطوط مترو والمونوريل والاتوبيس الترددى والتصدى الجاد لملف العشوائيات الشائك بنقل سكانها إلى مناطق آدمية مثل حى الاسمرات واستغلال المساحات الفارغة فى إنشاء متنزهات خلابة كتلال الفسطاط وعين الصيرة كان لهذه الإجراءات المدروسة انعكاس ايجابى على إحياء مشروع القاهرة التاريخية والخديوية التى بدأت ملامحه تظهر شيئًا فشيئًا ما فتح شهية كثير من المطورين على الاستثمار الفندقى والترفيهى والأهم أن «قاهرة المدبوليزم» راعت البعد المجتمعى فتم دمج الباعة الجائلين داخل المخطط العام مثلما حدث فى ميادين العتبة ورمسيس لا أستطيع أن أخفى سعادتى وانحيازى بما يجرى لأنى من دراويش القاهرة كما الجبرتى ومحفوظ والغيطانى مجذوب بتفاصيل سحرها العمرانى الممتد الذى لا مثيل له من حيث الثراء والتنوع الحضارى فهذه المدينة الكوزموبوليتانية العريقة عمرها اكثر من الف سنة لديها كنوز معمارية فريدة تروى قصصًا إنسانية مثيرة اعتقد عند اكتمال تطوير القاهرة سيذكر التاريخ مدبولى ويضعه مع هوسمان فى نفس صفحة البنائين العظام عندئذ سيظهر بهاء القاهرة الأخاذ ويسلب الألباب وستكون كعبة الجمال وقبلة الباحثين عن سحر الشرق وليس هناك برهان واضح على ذلك سوى استضافتها حفل كريمة الصفوة العالمية «الجراند بول» هذا الاختيار لم يكن من قبيل الصدفة أو المجاملة فصورهم المنشورة بجوار معالم القاهرة التاريخية دعاية مجانيه لا تقدر بثمن.
أستطيع تفهم منطق البعض فى انتقاد أداء مصطفى مدبولى الاقتصادى والسياسى لكن لا يمكن لمنصف أن ينكر مجهوده وإخلاصه فى إعادة شمس القاهرة الذهبية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض