الجامعات الأهلية تنافس الخاصة.. والمال كلمة السر
مصروفات مرتفعة وتنسيق منخفض
مؤيدون: خففت العبء عن الآباء.. والتعليم تحت إشراف الدولة
معارضون: باب خلفى للالتحاق بكليات القمة مقابل المال
د. تامر شوقي: الجامعات الأهلية ولدت بمقومات تنافسية.. والبنية التكنولوجية متطورة
د. محمد عبدالعزيز: بعض الجامعات الأهلية أصبحت مشروعًا تجاريًا بغطاء أكاديمى وتكرار التخصصات خطر على التعليم
فى السنوات الأخيرة، أصبحت الجامعات الأهلية محط أنظار الكثيرين، خاصةً بعد أن طرحتها الدولة كحل وسط بين الجامعات الحكومية المجانية، والجامعات الخاصة ذات التكاليف المرتفعة وقد جاءت هذه الجامعات برعاية مباشرة من الدولة، وتحت شعار «غير هادفة للربح»، بهدف تقديم تعليم جامعى عصرى عالى الجودة بأسعار تقل عن مثيلاتها الخاصة، مع التركيز على البرامج الأكاديمية الحديثة والتخصصات المتماشية مع سوق العمل.
ومع اقتراب العام الجامعى 2025/2026، بدأ الجدل يشتد مجددًا، بعدما كشفت القوائم الرسمية للمصروفات الدراسية عن تقارب كبير بين الجامعات الأهلية والخاصة، خاصة فى الكليات الطبية والهندسية. فمثلًا: بلغت مصاريف كلية الطب البشري: فى جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا: 165,000 جنيه وفى جامعة القاهرة الأهلية: 155,000 جنيه، وفى جامعة عين شمس الأهلية: 155,000 جنيه، وفى جامعة بدر بالقاهرة 0 230,00 جنيه، وفى الجامعة البريطانية: 274,000 جنيه
أما طب الأسنان فقد تراوحت المصروفات بين: 125,000 جنيه فى الجامعات الأهلية مثل جامعة عين شمس والقاهرة و187,000 جنيه فى جامعة بدر الخاصة وصولًا إلى 274,000 جنيه فى الجامعة البريطانية
أما مصروفات كلية الصيدلة فى الجامعات الأهلية فتتراوح بين 100,000 و122,000 جنيه، وفى الجامعات الخاصة تراوحت من 95,000 إلى 160,000 جنيه، وفى الجامعة البريطانية تصل إلى: 146,000 جنيه
أما كلية الهندسة فسجلت تفاوتًا ملحوظًا فى الجامعات الأهلية: بين 58,000 و81,000 جنيها، وفى الخاصة: من 70,000 وحتى 226,000 جنيه بالجامعة البريطانية.
أما العلاج الطبيعى فأسعاره فى الأهلية تراوحت من 100,000 إلى 110,000 جنيه، وفى الخاصة: من 95,000 حتى 194,000 جنيه.
هذه الأرقام أثارت تساؤلات مشروعة بين الطلاب وأولياء الأمور حول جدوى «الميزة الاقتصادية» التى روجت لها الدولة عند تأسيس هذه الجامعات هل ما زالت الجامعات الأهلية تمثل فرصة لتوسيع قاعدة التعليم الجيد بأسعار مناسبة؟ أم أنها تحولت تدريجيًا إلى نسخة مكررة من الجامعات الخاصة، ولكن تحت غطاء مختلف؟
ورغم الفارق المحدود فى بعض المصروفات، تبقى الجامعات الأهلية متفوقة من حيث الحد الأدنى للقبول، إذ تتيح فرصًا أكبر للطلاب الذين لم يحصلوا على مجاميع مرتفعة فى الثانوية العامة، ما يجعلها فى نظر البعض فرصة حقيقية لتدارك الفرص، وفى نظر آخرين مدخلًا لتراجع معايير القبول الأكاديمى.
ومع إعلان مصروفات العديد من الجامعات الأهلية والخاصة بشكل رسمى، مثل جامعة القاهرة الأهلية، جامعة طنطا الأهلية، جامعة بدر، الجامعة البريطانية، جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، والجامعة الروسية، أصبح المشهد أكثر تعقيدًا، خاصة فى ظل دخول جامعات جديدة للمنافسة، وظهور تخصصات غير تقليدية تستهدف المستقبل الوظيفى للطلاب.
فى هذا السياق، تظل الأسئلة معلقة: هل تحقق الجامعات الأهلية رسالتها التنموية والتعليمية كما خُطط لها؟ وهل الفوارق السعرية كافية لجعلها البديل الواقعى للطبقات المتوسطة؟ أم أن المنظومة تحتاج إلى إعادة نظر شاملة تعيد التوازن بين الجودة، والتكلفة، والعدالة الاجتماعية؟
تجربة واعدة
«الوفد» تواصلت مع خبراء تربويين وأكاديميين للإجابة عن الأسئلة فقال الدكتور تامر شوقى، الخبير التربوى والأستاذ بجامعة عين شمس، إن الجامعات الأهلية تمثل تجربة جديدة وواعدة فى التعليم العالى المصرى، إذ تستهدف تقديم تعليم متميز بتكلفة أقل من الجامعات الخاصة، مع إعادة استثمار مواردها فى تطوير البنية التحتية والتجهيزات.
وأضاف شوقى فى تصريحات خاصة لـ«الوفد»: إن الجامعات الأهلية تمتلك مقومات قوية للمنافسة مع الجامعات الخاصة والحكومية، خاصة أنها حديثة النشأة، ما يعنى أن بنيتها الأساسية والتكنولوجية جديدة تمامًا، وتحت إشراف مباشر من الدولة. كما أنها تستعين بأعضاء هيئة تدريس من الجامعات المصرية العريقة، وتطرح برامج أكاديمية حديثة مرتبطة بسوق العمل، سواء فى مجالات الصناعة، تكنولوجيا المعلومات، أو حتى التخصصات الطبية والإعلام الرقمى.
واستطرد قائلًا: «حتى الكليات التقليدية داخل الجامعات الأهلية تقدم تخصصات فرعية جديدة لم تكن موجودة من قبل، وهذا يمنحها ميزة تنافسية حقيقية».
وعن انخفاض الحدود الدنيا للقبول، أوضح الخبير التربوى أنه إذا كان الفارق فى التنسيق بين الجامعات الأهلية والحكومية بسيطًا، ومع وجود سنة تأسيسية لتأهيل الطلاب، فلا مشكلة فى ذلك. لكن إذا اعتمد القبول على القدرة المالية فقط، مع فارق كبير فى المجموع، فهنا تكمن الخطورة، لأننا بذلك نغلب المعايير المادية على الكفاءة العلمية.
وتابع أن بعض الجامعات الأهلية تطبق بالفعل سنة تأسيسية للطلاب الذين لم يحصلوا على المجموع المطلوب، لتأهيلهم قبل الانخراط فى الدراسة الفعلية، معتبرًا أن هذه خطوة إيجابية لضمان جودة المخرجات التعليمية.
وحول تقارب المصروفات بين الجامعات الأهلية والخاصة، قال صحيح إن الجامعات الأهلية غير هادفة للربح، لكنها لا تحصل على نفس حجم الدعم الحكومى الذى تحصل عليه الجامعات الحكومية، وبالتالى تغطى تكاليفها من المصروفات الدراسية. فى بعض التخصصات العملية، المصروفات قد تبدو مرتفعة نسبيًا، لكنها أقل من مثيلاتها فى الجامعات الخاصة.
وأشار إلى أن تحديد قيمة المصروفات قد يتأثر بعدد الطلاب المقبولين، قائلًا: إذا قل عدد المقبولين، ترتفع التكلفة على الطالب، والعكس صحيح. وفى النهاية هذه سياسة إدارة جامعية أكثر منها قضية تربوية.
وأكد شوقى أن الجامعات الأهلية أسهمت بالفعل فى خفض الضغط على الجامعات الحكومية، خصوصًا فى الكليات التى كان الإقبال عليها مرتفعًا، مثل الطب والهندسة والإعلام. وأضاف: «وجود خيار ثالث بين الحكومية والخاصة منح الطلاب والأسر فرصة إضافية، خاصة لمن لم يحصل على المجموع المطلوب، لكنه لا يريد تحمل الأعباء المالية الكبيرة للجامعات الخاصة».
ويرى شوقى أن دخول الجامعات الأهلية للمنافسة أجبر بعض الجامعات الخاصة على إعادة النظر فى مصروفاتها أو تحسين خدماتها، مشيرًا إلى أنه عندما تظهر منافسة حقيقية، تحاول كل مؤسسة تعليمية تقديم خدمة أفضل بسعر أكثر تنافسية، وهذا فى النهاية يصب فى مصلحة الطالب.
واختتم شوقى حديثه بالتأكيد أن إنشاء أى جامعة أهلية لا يتم إلا بعد موافقة المجلس الأعلى للجامعات وهيئة ضمان الجودة، والتأكد من توفر المعامل والتجهيزات المطلوبة. وقال إن التجهيزات الحديثة مهمة، لكن الجودة الحقيقية تأتى من الكادر الأكاديمى المتميز، وهو ما يجب أن تحرص عليه الجامعات الأهلية لضمان سمعتها واستدامة نجاحها.
منافسة
ومن جانبه، أكد الدكتور محمد عبدالعزيز، أستاذ العلوم التربوية بجامعة عين شمس، أن الجامعات الأهلية تمثل ساحة تنافس جديدة مع الجامعات الخاصة والحكومية، لكن الحكم الحقيقى على جودتها يتوقف على نوعية البرامج والمناهج التى تقدمها، وقدرتها على تزويد الطلاب بخبرات عملية وفرص عمل بعد التخرج.
وقال عبد العزيز فى تصريحات خاصة لـ«الوفد»: إنه من حيث المبدأ، الهدف من إنشاء الجامعات الأهلية هو تحسين جودة التعليم وتقديم تخصصات حديثة غير متوفرة فى الجامعات الحكومية، وتابع: «لكن ما أراه الآن أن المسألة تحولت فى بعض الحالات إلى طابع تجارى بحت، خاصة مع الفجوة الكبيرة فى الحدود الدنيا للقبول. من غير المنطقى أن تكون كلية الطب فى جامعة حكومية تقبل من 93%، بينما تقبلها جامعة أهلية من 71%، فهذا يمثل خطرًا كبيرًا على مستوى الخريج، خصوصًا فى الكليات التى تتطلب مهارات خاصة.
وأضاف أن انخفاض التنسيق بشكل مبالغ فيه لا يمكن تبريره بتوسيع الإتاحة فقط، بل يجب وضع ضوابط، منها عقد اختبارات قدرات موحدة للقبول فى بعض التخصصات، على أن تكون هذه الاختبارات تحت إشراف جهة مستقلة تابعة للمجلس الأعلى للجامعات، حتى لا يتحول التعليم الجامعى إلى مجرد سلعة تباع وتشترى.
وعن مسألة المصروفات، أوضح عبدالعزيز أن الجامعات الأهلية ليست هادفة للربح على الورق، لكن فى الواقع نجد أن مصروفاتها فى كثير من الأحيان قريبة جدًا من الجامعات الخاصة، وأحيانًا أعلى، خاصة فى بعض الكليات العملية. هذا يطرح سؤالًا: إذا كانت الأهلية مدعومة من الدولة، فلماذا لا ينعكس ذلك فى تخفيض التكلفة على الطالب؟
وفيما يتعلق بمستوى التجهيزات، أشار إلى أن بعض الجامعات الأهلية تقدم معامل حديثة وقاعات مطورة، لكن الجودة الحقيقية لا تقاس بالمبانى فقط، بل تعتمد على كفاءة الأستاذ الجامعى، قائلًا: «الأستاذ المتميز يستطيع أن يحدث فرقًا كبيرًا حتى بإمكانيات محدودة، بينما غياب الكفاءة يجعل أفضل التجهيزات بلا قيمة».
كما حذر من تكرار نفس التخصصات الموجودة فى الجامعات الحكومية داخل الجامعات الأهلية، مؤكدًا: «إذا كانت الدولة تريد رفع جودة التعليم، فالأفضل أن تقدم الجامعات الأهلية برامج جديدة ومتميزة، وليس نسخًا مكررة من كليات موجودة بالفعل. وإلا سنصل إلى وضع يتعلم فيه من يملك المال، ويحرم من لا يملكه، وهذا خطر على الأمن القومى التعليمي».
وفى ختام حديثه، شدد عبدالعزيز على أن الطالب الراغب فى الالتحاق بجامعة أهلية أو خاصة يجب أن يتأكد أولًا من اعتمادها رسميًا، ثم يختار البرنامج الأكاديمى بناءً على قدراته وأهدافه، مع دراسة فرص العمل فى التخصص قبل اتخاذ القرار.
لم يقتصر الحديث عن الجامعات الأهلية والخاصة على الخبراء، بل امتد إلى الطلاب وأولياء الأمور، الذين انقسمت آراؤهم بين الإشادة بالمستوى الأكاديمى وتوفير بديل مناسب، وبين القلق من المصروفات وتراجع التنسيق.
وتقول مريم على، طالبة فى إحدى الجامعات الأهلية: أنا كنت بحلم أدرس الإعلام، لكن مجموعى ما جابش الحد الأدنى فى الجامعات الحكومية، ولذلك وفرت لى الجامعات الأهلية فرصة جيدة، خصوصًا إنهم بيقدموا تخصصات حديثة زى الإعلام الرقمى، والمعامل هنا مجهزة بشكل ممتاز.
أما أحمد حسين، ولى أمر، فأكد أن الجامعات الأهلية خففت العبء على أولياء الأمور الباحثين عن تعليم جيد بتكلفة أقل من الخاصة، قائلًا:
«المصاريف أقدر أقول إنها فى المتناول مقارنة بالجامعات الخاصة، وبالنسبة لى المهم إن الجامعة تحت إشراف الدولة وضمان الجودة».
لكن منى عبدالرحمن، طالبة أخرى، عبرت عن قلقها قائلة: التنسيق المنخفض ممكن يخلى فيه طلاب غير مؤهلين يدخلوا نفس التخصصات اللى بندرسها، وده ممكن يأثر على المستوى العام.
فى المقابل، رأى خالد محمود، ولى أمر، أن هذه المخاوف مبالغ فيها، موضحًا: فيه سنة تأسيسية بتأهل الطالب، يعنى حتى لو مجموعه أقل شوية، الجامعة بتتأكد إنه مستعد قبل ما يبدأ الدراسة الفعلية.


تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض