رادار
فى لحظة غائمة من الوعى الجمعى تسلل إلى مشهدنا الثقافى والإعلامى نمط جديد من النجومية ـ لا من بوابة العلم أو الإبداع، بل من قاع غارق فى الجهل والسطحية.. نشأت ظاهرة البلوجرز التافهين كعرض لانحدار عام، ثم ما لبثت أن تحولت إلى مرض عضال ينخر فى جسد الوطن.. هؤلاء الذين صعدوا بلا تاريخ وتقدموا بلا رؤية أصبحوا اليوم رموزًا فى الإعلام التقليدى، لا لشيء إلا لأنهم يتقنون لعبة الضجيج ويجيدون الرقص على إيقاع الابتذال.
ويأتى السؤال الأهم.. كيف سمحنا كمجتمع يملك ذاكرة من النبل والعلم والثقافة أن ننحدر إلى هذا الدرك الرذيل؟.. كيف صرنا نصنع للتافهين منصات التأثير ونمنحهم صكوك الشرعية ؟.. المؤسف أن الإجابة ستكون صادمة وتكشف عن فصام مجتمعى حاد.. فهذا الجمهور نفسه الذى ينتقد ويرفض هذه السلوكيات.. أصبح هو نفسه صار شريكًا فى الجريمة، وساهم بدرجات متفاوتة فى هذا الانهيار الأخلاقى السريع.. نحن من تابعناهم وروجنا لهم وعلقنا على مقاطعهم حتى أصبحت الترندات تصاغ على أكتافهم ورأيهم مهما بلغ من تفاهة يؤثر فى عقول صغارنا ووجدان مراهقينا.. الإعلام الذى كان يجب أن يكون جدار الصد الأخير، تحول إلى أداة فى يد التفاهة.. صار يستضيفهم فى البرامج ويقدمهم كنماذج ناجحة ـ لا لشيء إلا لأنهم يجلبون نسب مشاهدة مرتفعة ويثيرون الجدل على مواقع التواصل.. هذا السقوط لم يكن صدفة بل جاء نتيجة تواطؤ واضح من داخل الوسط الإعلامى والفنى بل والثقافى.. كثير من الإعلاميين والفنانين شاركوا فى تضخيم هذه الظواهر، إما طمعًا فى ركوب الترند أو تحت تأثير جهات تجارية لا تعبأ بالقيم، أو بجهل بعواقب هذا الترويج.. رأينا إعلاميين كبارًا يفتحون شاشاتهم لهم مثل–إسعاد يونس ولميس الحديدى ورضوى الشربينى وبسمة وهبى منهم من دعم وأيد بدعوى الحرية ومنهم من استضاف بلوجرز معروفات بالسطحية وقدمهن كرموز نسوية ـ وبسمة وهبة التى أجرت حوارات مطولة مع شخصيات مثيرة للجدل ثم اختتمت اللقاء بعبارات المديح.. أما برامج رامز جلال فقد رسخت العنف والإهانة تحت شعار الترفيه ـ وأسهمت فى تآكل الذوق العام.. حتى الفن لم يسلم وتحول إلى أداة لتكريس الابتذال والتفاخر الفارغ سواء من خلال أغانى المهرجانات ـ أو من خلال تسويق رموز بلا موهبة كأمثلة على الجرأة والتجديد.
المؤلم أكثر هو دعم بعض الفنانين لهذه النماذج مثل وفاء عامر التى خرجت فى أكثر من مناسبة لتدافع عن شخصيات شوهت صورة المرأة المصرية تحت ذرائع ظاهرها التعاطف وباطنها تبرير التفاهة.. بل كانت تدعمهم بمشاركتهم فى فيديوهات رخيصة–كانت الأولى بها كرمز فنى أن تكون درعًا للقيم لا جسرًا لانهيارها.. فقد كانت المرأة المصرية على مدار التاريخ عنوانًا للشرف والوعى والكرامة والصبر، لا أداة للترند الفارغ أو الضحك الساخر.. إن الدفاع عن شخصيات مثل سلمى الشيمى وأم مكة وأم سجدة وغيرهن من الأسماء المؤسفة–لا يمكن اعتباره موقفًا فرديًا ـ بل هو مشاركة فاعلة فى تزييف الوعى وتشويه رمزية المرأة المصرية.. ما نراه من خلط مريب بين الحرية الشخصية والإنفلات القيمى هو ما سمح للتفاهة أن تصبح جزءا من المشهد العام.
والأسوأ من ذلك.. هو صمت البعض أو مشاركته غير المباشرة فى دفن الذوق وتسويق الانحدار.. لكن الأزمة الأكبر لا تكمن فقط فى من صنعوا هذا الانحدار ـ بل فى الجمهور الذى تابع وبارك وساهم فى انتشاره.. هؤلاء الذين تابعوا المقاطع لا بدافع الرفض، بل بدافع المتعة والفضول ـ هم شركاء فى مؤامرة إسقاط المعنى، من يروج للتفاهة بحجة الترفيه لا يختلف كثيرا عمن ينتجها ـ الفارق بين الجريمة ومباركتها.. هو مجرد ضغطة إعجاب أو مشاركة لمقطع هابط.. لقد صنع بعض الناس أصنامًا من طين ثم سجدوا لها ـ ثم بكوا حين غرقوا فى وحلها.. المجتمع الذى يمنح الشهرة لمن يهينه ويصفق لمن يسخر منه، هو مجتمع يعيش أزمة هوية.. يحتاج إلى صحوة واعتراف بالذنب، لا مجرد نقد صاخب أو تذمر عابر.. ما نراه ليس مجرد اختلال ذوق ـ بل تآكل لقيم أصيلة كانت يومًا ما عماد هذا الوطن.
وكما أننا لا نكل من انتقاد السلبيات ـ فإن الواجب الأخلاقى يحتم علينا أن نمد يد التشجيع لكل من كتب أول سطر فى عودة الأخلاق للمشهد العام.. علينا أن نميز بين الصادقين فى دفاعهم عن القيم ـ وبين من يحاولون ركوب موجة الأخلاق لمجرد ترند عابر.. فشكرًا من القلب لكل مسؤول أو إعلامى وطنى قرر أن يبدأ معركة تطهير الواقع من وسخ السوشيال ميديا.. لقد بدأ المطر بقطرة، ونأمل أن يتحول إلى سيل من الإجراءات الصارمة تسترد بها مصر أخلاقها وتنهض من جديد على المبادئ التى تربينا عليها.
وللحديث بقية.. إن شاء الله تعالى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض