رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

رادار

فى زاوية مهملة من هذا الوطن–سقطت شيماء وعندما سقطت.. لم تسقط وحدها.. بل تساقط معها النور.. وسقطت معه إنسانيتنا التى كنا نظنها ما زالت تتنفس.

شيماء عبد الحميد–طالبة بكلية الهندسة جامعة المنوفية–فتاة من طين هذا الوطن، ودم هذا الشعب–كانت تحلم كأى فتاة فى عمرها.. كانت ترى نفسها تقف على منصة التخرج ترتدى عباءة العلم–تلوح لوالدها ووالدتها وهما يبتسمان من خلف التعب، يصفقان لها وقد صار لحلمهما اسم المهندسة شيماء.. لكن الطريق إلى تلك المنصة لم يكن مفروشًا بالورود.. كان مفروشًا بأشواك الحاجة.. وقسوة الحياة وجفاء القلوب، فبدل أن تحمل حقيبة مليئة بالكتب–حملت أدوات الزراعة فى مزرعة عنب بمدينة السادات–كى توفر ثمن كتبها ودفاترها ومواصلاتها.

المهندسة شيماء–كانت تعمل باليومية–120 جنيهًا مقابل عرقها وأملها.. فشيماء لم تطلب المستحيل–لم تكن تطمع فى أكثر من حقها فى أن تحيا كريمة، وأن تكمل دراستها، كانت تؤمن أن الكرامة لا تستجدى، وأن اليد التى تعمل–أطهر من ألف يد تصفق للزيف.. لكنها لم تكن تدرى أن المجتمع الذى نشأت فيه لا يكترث بالعرق، ولا يوقر الطموح، بل يحارب بخسة–ويتفنن فى إذلال الحالمين–ويقسو على الضعفاء أكثر من قسوة الفقر نفسه، ثم كانت اللحظة التى انكسر فيها كل شيء– حادث بارد.. كما اعتدنا أن نستقبل موت أبنائنا–بلا صدمة–بلا تأمل–بلا صوت.. لكن الطريق إلى الحلم فى هذا الوطن ليس معبدًا، بل مليء بالحفر والمطبات والأوجاع.

اضطرت المهندسة شيماء إلى العمل فى مزرعة عنب–بمدينة السادات–بأجر يومى لا يتجاوز ١٢٠ جنيهًا- لتؤمن نفقات دراستها ومواصلاتها وقوتها.. كانت تحمل حلمها فى يد–وأدوات العمل فى الأخرى–وتخبئ دموعها خلف ابتسامة المثابرة، ثم جاء ذلك اليوم وتلك اللحظة التى تحول فيها الحلم إلى كابوس–والعرق إلى دم والأمل إلى نواح.. حادث موجع يقهر القلوب ويذلها–حادث خطفت فيه الأرواح كما تنتزع الأوراق اليابسة فى مهب الريح.

ماتت شيماء، ومعها ثماني عشرة زهرة أخرى وخلفن أوجاعا لا توصف، وقلوبا مكسورة، وأمهات ينحن على أبواب الانتظار وآباء صامتين من شدة القهر.. ما أقسى حرقة قلب أمك وأبيك يا شيماء.. ما هذا الوجع الثقيل ؟.. وما هذا القهر الموجع ؟

أليس قهر الحياة كافيًا ؟ فزادهم قهر الموت قهرًا–إنها ليست الحادثة الأولى–ولن تكون الأخيرة–لا شيء يتغير سوى أسماء الضحايا.. وصورهم فى صدر الصحف.. قبل أن تطوى الصفحة وينسى الألم.

وهذه الحوادث–ما وقعت إلا على رؤوس الفقراء، لا تمس إلا من سعى بعرقه ليحيا–ولا تقترب إلا من الأطفال والطامحين والمسالمين والراضين–من المبهجين الذين امتلأت قلوبهم بالنقاء–الذين تمتزج فطرتهم الطاهرة بطين هذه الأرض العفية الأبية–الذين يضيئون دروبهم وسط العتمة–ويرفعون رؤوسهم رغم الانكسار.

لكن أى ذنب اقترفوه ؟

ما جريمتهم سوى أنهم أرادوا أن يكون لهم مكان تحت الشمس ؟

ما عيبهم إلا أنهم اختاروا الصبر بدل الشكوى والكفاح بدل الاستسلام ؟

ومع ذلك.. لم ترأف بهم الحياة، ولم ينصفهم المجتمع–نعم–المجتمع هو القاتل الصامت.. ذلك الذى يرى ولا يبصر يسمع ولا يتأثر–يعبر فوق الجراح ولا يلتفت.. المجتمع الذى خذل شيماء وتخاذل عن إحتضان حلمها وعن حماية من يشبهونها صمتنا العميق–ولا مبالاتنا المخزية–هى التى مهدت الطريق للموت.

سامحونا يا زهور الوجع.. سامحينا.. يا شيماء -

لم نحملكن على الأكتاف إلا بعد أن صرتن أجسادا بلا روح–لم نكتب عنك يا شيماء، إلا بعد أن سرقت منك الحياة، لكننا لن ننساك–ستظلين جرحا مفتوحًا فى ضمائرنا–وذكرى موجعة تذكرنا كم صرنا قساة وبخلاء فى الأحاسيس المؤقتة -

سلام لروحك–ولأرواح الزهور الثماني عشرة..

سلام على الحلم الذى مات فى الطريق، وسلام، على من بقين يعانين ذات الوجع فى صمت لا يسمعه أحد.

رحلت المهندسة شيماء.. ورحل معها ثمانى عشرة زهرة.. كن يجاهدن لأجل البقاء فى وطن لا يكترث بالفقراء.. ولا يبالى بمن سقطن فى الطريق إلى الحلم.. كأن الحياة نفسها تواطأت على سلبهن أعمارًا كان يمكن أن تزهر.

ليس الموت وحده من قتل شيماء ؟.. بل المجتمع الذى سكت طويلًا.. المجتمع الذى لا يرى فى الفقير سوى عبئا إضافيًا، لا يرى فى بنات الفقراء عبئا إلا إذا أثبتت جدارتها فوق العادة.. المجتمع الذى يصفق للناجحين بعد موتهم.. ويتجاهل جوعهم وتعبهم وهم أحياء–المجتمع الذى تعود أن ينظر إلى من يعمل بيده بازدراء، وإن حمل أعلى الشهادات.

شيماء لم تهزم بين أشجار العنب ولا على حواف الحقل القاسية–بل هُزمت فينا، حين لم نشعر بها–حين كان صراعها من أجل البقاء يتم فى صمت ووجع–بلا عين تلاحظ–ولا يد تمتد–ولا قلب يلين.. كانت تموت كل صباح، حين تصحو قبل الشمس، لا لتذاكر، بل لتقود جسدها المتعب إلى أرض لا ترحم.

كم من شيماء أخرى تسير الآن بيننا ؟

كم من فتاة تحمل الحلم كعبء لا كمنحة؟

كم من زهرة ستدهس غدا ونحن نمر بجانبها دون أن نبصر أو نتوقف؟

الذنب ليس فى الحادث وحده–الذنب فينا، فى خيبتنا الجماعية–فى قسوة أرواحنا، وفى جمود هذا الضمير الجمعى الذى لم يعد يهتز إلا بعد أن تسفك الأرواح دماءها، فنحن من خذل شيماء، نحن من سمح للموت أن يختطفها من طريقها إلى قاعة المحاضرات.. ستنسى شيماء بعد أن نذيع نبأ موتها فى نشرات الأخبار–وربما تذوب صورتها مع الأيام–لكن القهر الذى تركته خلفها لن يبرأ.. والوجع الذى زرعته فينا–لن يُمحى–ووصمة الخزى التى علقتها على جدران قلوبنا لن تسقط.

سلام على وجهك يا شيماء.. وسلام على الحلم الذى قاتلت من أجله وحدك–فنامى بسلام.. أما نحن–فنبقى هنا نعيش تحت ركام إنسانيتنا–نحاول أن نكتب عنك–لعل الكتابة تطهر أرواحنا الملطخة بالصمت.

وللحديث بقية.. إن شاء الله تعالى

[email protected]