رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

المقامرة الكبرى

سياسيون أمريكيون: مغامر بالسياسة الخارجية

بوابة الوفد الإلكترونية

 

 

غليان فى الداخل.. وديمقراطيو «الكونجرس» يطالبون بمحاسبة الرئيس الأمريكي

 

 

على مدى عقدين كاملين اعتمدت الولايات المتحدة إستراتيجيات متعددة لإبطاء تقدم إيران نحو امتلاك سلاح نووى من خلال العقوبات والتخريب والاختراقات السيبرانية والمفاوضات الدبلوماسية لكن فى الساعات الأولى من صباح الأحد اتخذ الرئيس دونالد ترامب قرارا مزلزلا وأطلق أول عرض مباشر للقوة العسكرية الأمريكية ضد المواقع النووية الإيرانية فى خطوة خطيرة تجنبها أسلافه الأربعة خشية التورط فى حرب واسعة النطاق فى الشرق الأوسط.

بالنسبة لترامب فإن القرار يمثل أقوى مقامرة سياسية وعسكرية فى ولايته الثانية إذ يراهن على تفوق القوة الأمريكية وقدرتها على ردع إيران وامتصاص أى انتقام محتمل ضد أكثر من أربعين ألف جندى أمريكى ينتشرون فى قواعد بالمنطقة جميعهم اليوم تحت مرمى صواريخ طهران.

الضربة الأمريكية التى وصفتها الإدارة بأنها محدودة ومحددة كانت تهدف حسب تعبير المسئولين إلى تدمير القدرات النووية لا إسقاط النظام وأبلغ مساعدو ترامب حلفاءهم مساء السبت بأن العملية تماثل فى طابعها ضربة قتل أسامة بن لادن عام 2011 وقال دبلوماسى أوروبى كبير تحدث مع مسئول أمريكى رفيع لقد قالوا صراحة إن هذا ليس إعلانا للحرب لكنه أضاف أن المقارنة غير منطقية فبن لادن قتل ثلاثة آلاف أمريكى بينما إيران لم تصنع قنبلة حتى الآن.

وفى الوقت الذى كانت فيه الولايات المتحدة تنأى بنفسها عن الهجمات الإسرائيلية السابقة على إيران خرج ترامب ليكشف علنا أن بلاده متورطة بالكامل بل ألمح قبل أيام عبر منصته الخاصة إلى إمكانية اغتيال المرشد الأعلى على خامنئى البالغ من العمر 86 عاما وقال بوضوح إن بلاده دخلت المواجهة بشكل عميق بعكس تصريحات سابقة أدلى بها روبيو ووصفت الهجمات الإسرائيلية بأنها منفردة.

إستراتيجية ترامب ترتكز على اغتنام لحظة ضعف استثنائية تعيشها إيران بعد أن فقدت حماس وحزب الله قدرتيهما على الرد منذ هجوم السابع من أكتوبر وفشل بشار الأسد فى الحفاظ على موقعه وهروب حلفاء طهران من المشهد أبرزهم روسيا والصين لم يبق لدى إيران سوى برنامجها النووى كسلاح أخير للدفاع والسيادة منشأة فوردو التى بنتها سرا منتصف العقد الأول من القرن الحالى والتى كشفها باراك أوباما عام 2009 كانت منذ ذلك الحين قلب هذا المشروع.

لكن آراء الخبراء ترسم صورة مختلفة تماما فقد قال آرون ديفيد ميلر المفاوض السابق فى شؤون الشرق الأوسط إن قدرات إيران العسكرية ضعفت لكن لديها ترسانة من الوسائل غير المتكافئة ولن ينتهى هذا التصعيد بسرعة فى حين حذر السيناتور الديمقراطى مارك وارنر من أن ترامب تصرف دون استراتيجية ودون استشارة الكونغرس وضد تقارير استخباراتية تؤكد أن إيران لم تتخذ قرار إنتاج القنبلة بحسب نيويورك تايمز الأمريكية. 

أما جمعية الحد من الأسلحة وهى منظمة غير حزبية فقالت إن الضربة ستقنع إيران بأن الأسلحة النووية ضرورية للردع وستثبت أن واشنطن ليست مهتمة بالدبلوماسية وقالت أيضا إن الضربات وحدها لا تكفى لتدمير المعرفة النووية وأن طهران ستعيد بناء برنامجها بوتيرة أسرع وربما أكثر عدوانية.

إريك لوب أستاذ العلاقات الدولية فى جامعة فلوريدا الدولية قال إن إيران قد تلجأ لضرب أهداف أمريكية وإسرائيلية سهلة فى الشرق الأوسط لكنها قد تعود أيضا إلى المفاوضات من موقع أضعف مشيرا إلى أن الرد الإيرانى لا يزال مجهولا لكنه مؤكد.

أما كريم سجادبور من مؤسسة كارنيغى فغرد قائلا ترامب يرى أن الوقت حان للسلام لكن من غير المرجح أن تراه طهران كذلك بل إن الضربة قد تفتح فصلا جديدا من الحرب المستمرة بين البلدين منذ 46 عاما.

وحذرت لورا بلومنفيلد الباحثة فى كلية جونز هوبكنز من زحف المهمة وقالت إن الولايات المتحدة قد تنجر إلى تغيير النظام وهو ما سيعيد مشاهد الفشل الأمريكى فى نشر الديمقراطية عبر الشرق الأوسط وأضافت احذروا من زحف المهمة فقد دُفنت الكثير من الأوهام الأخلاقية فى رمال هذه المنطقة.

جوناثان بانيكوف المسئول الاستخباراتى السابق قال إن طهران سترد بهجمات غير متناسبة إن شعرت بأن وجود النظام فى خطر لكنه أضاف أن إيران ستدرس أيضا الكلفة الكبيرة لإغلاق مضيق هرمز والذى سيضر بالصين أحد حلفائها الأساسيين وليس فقط الولايات المتحدة.

فى المقابل ظهرت بوادر تحدٍّ إيرانية مبكرة حيث أعلنت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية أنها لن توقف تطوير برنامجها النووى واعتبرت الخارجية الإيرانية أن من حق طهران الدفاع بكل قوتها ضد أى عدوان أمريكى بينما أعلن التليفزيون الرسمى أن كل جندى أو مدنى أمريكى فى المنطقة هدف مشروع.

هذه التطورات دفعت كثيرين إلى التساؤل عن مدى جدوى هذه المقامرة فقد يجد المؤرخون أنفسهم يوما ما يربطون بين صور الرهائن الأمريكيين فى 1979 والقنابل الخارقة التى أسقطت على فوردو فى 2025 وبينما يأمل ترامب فى فرض السلام بالقوة فإن هناك سيناريو مرعبا يلوح فى الأفق.

فقد تلجأ إيران إلى نموذج كوريا الشمالية فتعيد بناء برنامجها سرا وتنتج أسلحتها النووية بعيدا عن أنظار العالم كما فعلت بيونغ يانغ التى تمتلك اليوم أكثر من ستين سلاحا نوويا بحسب تقديرات استخباراتية وتجعل أى هجوم عليها مكلفا ومستحيلا.

وفى الداخل الأمريكى يواجه ترامب مقاومة شديدة من الديمقراطيين الذين يعارضون التصعيد ويطالبون بمحاسبته على التصرف دون موافقة الكونغرس كما يواجه تململا داخل حزبه الجمهورى من جناح أمريكا أولا المناهض للتدخل العسكري.

وبعد ستة أشهر فقط من بداية ولايته الثانية يجد ترامب نفسه غارقا فى أول أزمة دولية كبرى شعار السلام من خلال القوة الذى حمله منذ حملته الانتخابية بات الآن على المحك فالحروب التى وعد بإنهائها فى أوكرانيا وغزة لا تزال مشتعلة واليوم فتح جبهة جديدة أكثر خطورة وغموضا.

قال ريتشارد غوان مدير شئون الأمم المتحدة فى مجموعة الأزمات الدولية ترامب عاد إلى ساحة الحرب وأضاف لا أعتقد أن أحدا فى موسكو أو طهران أو بكين صدق يوما أنه صانع سلام لقد بدا الأمر دائما أشبه بشعار حملة لا أكثر.