رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

رادار

حين أطلقت الدولة مشروعاتها الطموح فى مجال الطرق والنقل والمواصلات، كان ذلك إيذانًا ببدء مرحلة جديدة من التحول الحضارى والرؤية الإستراتيجية التى تستهدف الارتقاء بجودة الحياة، وتيسير سبل التنقل للمواطن، لاسيما المواطن البسيط الذى يمثل الركيزة الأصيلة لهذا الوطن. 

يأتى فى هذا السياق - مشروع الأتوبيس الترددى (BRT) - كأحد المشروعات الرائدة التى تحسب لمعالى الرئيس عبد الفتاح السيسى ذلك الرجل الذى حمل الوطن على كتفيه، مؤمنًا بأن كرامة المواطن تبدأ من توفير وسيلة نقل آدمية منتظمة وآمنة وبسعر عادل.

ولم يتخلَّ معالى الرئيس – فى كل خطاباته ومواقفه – يومًا عن الإنحياز إلى المواطن محدود الدخل، فإنى أكتب اليوم .. لا لأنتقص من قيمة المشروع، بل للدفاع عن المجهود العظيم الذى يبذله الرئيس فى إرضاء المواطن البسيط ورسم حاضره ومستقبله المشرق، كما أضع أمام معاليكم مرآة الواقع، حيث تكمن النوايا الحسنة، لكن قد تغيب بعض التفاصيل المؤلمة عن صانع القرار. 

معالى وزير النقل .. إن تشغيل الأتوبيس الترددى (BRT) على الطريق الدائرى مصحوبًا بقرار منع الميكروباصات من استخدام ذات المسار، محتاج الى إعادة دراسة وتخطيط لهذا الأمر بتمعن وتمهل، لأنها بذلك تفرض على المواطن تحديًا يوميًّا من حيث التكلفة والوقت، ويتحول إلى عبء متراكم على دخله المحدود.

معالى وزير النقل - إن وسائل المواصلات ليست ترفًا، بل ضرورة يومية تمس صميم حياة المواطنين، بل إنها شريان حياة يومى لطبقات تمثل قلب المجتمع وبالأخص أبناء الطبقة المتوسطة ومحدودى الدخل، الذين يشكلون الغالبية الصامتة والعاملة من هذا الوطن، وأى قرار يتخذ دون مراعاة هذا الواقع، فهو قطع لهذا الشريان.

لذا - فإن أى تخطيط أو قرار يجب أن يبنى أولًا وأخيرًا على إدراك هذا الواقع الاجتماعى والاقتصادى - الطبقات المتوسطة ومحدودى الدخل ـ ولإثبات ذلك - دعنى أضع أمام معاليكم مثالين واقعيين من قلب الشارع. 

- المثال الأول: لو افترضنا ان هناك (مواطنًا يقطن فى منطقة السيدة عائشة ويعمل فى منطقة القطامية)، الآن يستقل وسيلة مواصلات واحدة (الميكروباص) – بتكلفة حوالى 8 جنيهات، أما فى حالة تطبيق النظام الجديد الأتوبيس الترددى (BRT) - سيدفع ما لا يقل عن 22 جنيهًا، عبر ثلاث وسائل مختلفة وهى كالتالى (ميكروباص من السيدة عائشة حتى محطة الأتوبيس الترددى عند الدئرى تكلفة هذه المواصلة لا تقل عن 6 جنيهات - ثم يستقل الأتوبيس الترددى بتكلفة 10 جنيهات - ثم وسيلة ثالثة للوصول إلى وجهته فى القطامية وتكلفتها لا تقل أيضا عن 6 جنيهات) - هذا بخلاف مشقة الانتظار والانتقال وتغيير وسائل المواصلات، وإهدار الوقت بالإضافة الى الصعوبات التى يواجهها كبار السن والمرضى فى التنقل بين المحطات وصعود الكبارى أو السير لمسافات طويلة.

المثال الثانى: مواطن يعيش على أطراف الطريق الدائرى، وعلى افتراض أنه يسكن فى (منطقة الهضبة الوسطى) ومكان عمله بمنطقة (أثر النبى) يستقل يوميًّا ميكروباصًا من محطة الهضبة الوسطى إلى محطة مترو الزهراء (أثر النبى) .. يدفع مقابل ذلك أجرة تتراوح ما بين 6 إلى 8 جنيهات حسب تسعير السائق وجشعه، أما عند استبدال الأتوبيس الترددى (BRT) - بهذه الوسيلة فستصبح تكلفة الرحلة 10 جنيهات للأتوبيس وحده، بالإضافة إلى وسيلة انتقال أخرى من الطريق الدائرى إلى محطة الزهراء ( أثر النبى )، لترتفع التكلفة الإجمالية إلى ما لا يقل عن 15 جنيهًا لنفس الرحلة التى كانت تنجز بنصف هذا المبلغ، فهذا المبلغ الذى يبدو هينا فى نظر البعض - هو فى واقع محدود الدخل مبلغ كبير ومرهق -  بل نزيف صامت ينزع من قوت يومه، ويثقل كاهله فوق ما يحتمل فى ميزانية بالكاد تبقيه على قيد الكرامة لآخر الشهر.

 

معالى وزير النقل .. هذه الوقائع تظهر بوضوح أن المواطن بدلًا من أن يجد فى الأتوبيس الترددى خيارًا أقل تكلفة، وأكثر راحة، يُفاجأ بأن وسيلة النقل الحكومية أغلى ثمنًا من الميكروباص، رغم أن الأتوبيس الترددى يعمل بالكهرباء، وهى طاقة أقل تكلفة تشغيلية من البنزين أو السولار - فكيف تستقيم المعادلة ؟ - وكيف يشعر المواطن بأن الحكومة تخفف عنه لا تثقل كاهله؟ 

 

من هنا.. وبكل تقدير وأمانة أضع أمامكم - مقترحًا بسيطًا لكنه عادل وضرورى:

أولًا: بأن تكون سعر تذكرة الأتوبيس الترددى (5 جنيهات لكل 10 محطات) - وسعر  (5 محطات ٣ جنيهات)، تسهيلًا على المواطن وتماشيًا مع فلسفة المشروع القائمة على تقديم الخدمة والتنظيم المرتبطة بالعدالة الاجتماعية، لا على تحقيق عائد مالى يرهق الفئات الأكثر احتياجًا.

 

ثانيا: لا بد من إيجاد حل للمواصلات التى لا بديل لخط السير لها عن الطريق الدائرى، فمن غير المنطقى أن يطلب من المواطن البسيط أن يدفع ثمن خطط حكومية لم تكتمل أركانها بعد خاصة حين تكون تلك الخطط متعلقة بالمواصلات، التى هى شريان الحياة اليومية.

 

معالى وزير النقل: إن إدخال وسيلة مواصلات حكومية يفترض بها أن تكون أقل تكلفة وأسرع إنجازًا، يجب أن يكون لصالح المواطن لا عبئًا جديدًا فوق أعبائه المثقلة، فالواقع الآن يقول غير ذلك، فما أعلنته وزارة النقل من تطوير أو إدخال وسائل جديدة رغم نواياه الحسنة، فإن الاسعار المعلن عنها من قبل الحكومة للأتوبيس الترددى تفتح الباب أمام أصحاب الميكروباصات ليصبحوا ذئابًا تلتهم جيوب المواطنين بلا رحمة، والسبب ليس فيهم وحدهم بل فى الحكومة التى لم تحصن المواطن بخدمة بديلة رخيصة عن الميكروباص بشكل حقيقى.

 

معالى وزير النقل - أعانكم الله على هذا المجهود العظيم، ولكن الحل يبدأ من الاعتراف بأن كل خط سير يمر عبر الدائرى أو يعتمد عليه، يحتاج شبكة مواصلات ذكية مرنة وسريعة ذات أسعار تنافسية وبتكلفة تقل عن الميكروباص لا تزيد عليه، فالمطلوب ليس مجرد وسيلة نقل جديدة، بل منظومة تجعل من البديل الحكومى خيارًا أول لا اضطراريًّا، منظومة تراعى فيه البعد الاجتماعى للمواطن وتقدر كرامته وتمنع عنه الاستغلال.. وعلى الحكومة أن تدرك أن المواطن لم يعد يحتمل تجارب نصف مكتملة، فإما أن تكون وسائل النقل الجديدة حقيقية فى خدمتها وكفاءتها، أو فلتعلن المنافسة العادلة، وتفتح المجال أمام التوازن، لا الاحتكار لصالح المواطن لا ضده.

 

معالى وزير النقل الوطنى الدؤوب: إن المواطن البسيط قد لا يشتكى أو يتألم بصوت مسموع، لكنه يحمل فى قلبه صمتًا موجعًا، ومرارة لا يفصح عنها عشقًا فى هذا الوطن، لا تراهنوا على صبره الطويل ولا على حبه الصامت للوطن، فحين تتزايد الأعباء دون بوصلة للرحمة ينكسر ظهر الولاء، لا لضعف فى الانتماء، بل لثقل فى الحمل.

ختامًا.. فرسالتى هذه من مواطن يكتب إليكم وهدفه الوحيد الحفاظ على مكتسبات أفكاركم الفعالة لخدمة هذا الوطن وشكر وعرفان لمجهودات عظيمة تم التخطيط لها بوازع وطنى لقائد يريد الخير والعزة لهذا الوطن، ومن واجبنا جميعا كمواطنين – كما من واجبكم كمسئولين – أن نبقى أوفياء لجوهر الرسالة التى أعلنها الرئيس: أن نقدم للناس حياة كريمة، لا مجرد خدمات صامتة.

حفظ الله مصر - ورعى أبناءها المخلصين الطيبين 

وللحديث بقية... إن شاء الله تعالى 

 

[email protected]