رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

رادار

فى صبحات هذا الوطن تستيقظ الأرواح المثقلة لا على زقزقة العصافير، بل توقظ على طعنات الأسعار المسمومة.
فلم نعد نعرف أو حتى نسأل من يزرع، ومن يقلع، ومن يقرر أن يكون (العنب) حكرًا على الأثرياء بسعر خيالى يفوق العقل، أو أن تتحول (البطيخة) رمز البساطة الصيفى للطبقات المحدودة إلى ترف تعجيزى بسعر وصل إلى 300 جنيه، وأن يدرج المشمش على قوائم الندرة بسعر وصل إلى أكثر من 100 جنيه للكيلو أو يتغير سعر الطماطم بل ويرتفع لحظيا بشكل جنونى، فحين يدفع المواطن دفعا إلى التعايش مع الغلاء، وترفع الأسعار إلى حدود لا تحتمل يصبح مجرد التراجع الطفيف إنجازًا يراد له أن يقابل بالمديح، فمن أوصل سعر كرتونة البيض إلى 200 جنيه، وما السبب فى انخفاضها إلى 130 أو 150 جنيهًا، فالأصل هو العدالة لا المفاجأة والرحمة لا الانفراج المؤقت.. حين تحلق أسعار لحوم الدجاج إلى مستويات تنافس الخيال، وتتجاوز طاقة المواطن البسيط، فإن المشكلة ليست فى الرقم فقط، بل فى غياب منطق السوق وانسحاب أدوات الرقابة وترك الناس نهبا للفوضى، إن إدارة الأزمات لا تقاس بالتبرير بل بالقدرة على حماية الحد الأدنى من الكرامة المعيشية، لأن الكلفة الحقيقية لا تدفع من الجيوب فحسب بل من استقرار النفس وثقة المواطن فى حكومته.
وأمام هذا العبث السعرى يولد سخط وامتعاض لحظى، يتحول إلى اعتراض شعبى، وتثور الناس تعبيرًا عن الخنقة والضيق، وتهب رياح السخط الشعبى على مواقع التواصل، ووسط هالة من الاستغراب والبلاهة، فجأة تتراجع الأسعار–لا بمنطق السوق بل بقدرة قادر ـ إلى أقل من النصف، وكأننا أمام عرض سحرى، لا اقتصاد وطنى تديره حكومة رشيدة تحافظ على شعبها. ومرة تلو المرة، بدأ يكتشف المواطن أنها مسرحية، وأن هناك شخصًا خفيًا يستيقظ مبكرًا ليسعر لنا الطعام والشراب والدواء والملابس والمواصلات بأربعة أضعاف وربما خمسة، فقط ليمن علينا بعد ذلك بخفضها إلى النصف، فيتوهم المواطن المسكين أن الحكومة شعرت بمعاناته وتدخلت بالرحمة، والحقيقة أن الحكومة كانت شريكًا فى صك هذا العذاب اليومى مع نار الأسعار حتى ولو بالصمت.
وهنا تولد الأسئلة التى لا تحتمل التجاهل، فمن هو هذا الكائن الغامض الذى ينتقم من المواطن فى تسعيرة البطاطس والبقدونس والطماطم والملح والعدس والأرز والمكرونة وغيرها ؟
من يحدد نسب الأرباح الخرافية ؟ من يسطر تلك الأرقام التى تسحق الأحلام وتختنق بها الأرواح ؟. من هذا الذى يكتب يوميًا مشهد المعاناة بلغة الجنيه والهللات ؟.. من الذى وضع تسعيرة الأدوية المتباينة بين صيدلية وأخرى؟.. من رسم كلفة المستشفيات ومستلزماتها التى فاقت نظيرتها فى دول أوروبا، ومن وضع هامش ربح للتحاليل الطبية، واختلاف نتائج التحاليل، فضلا عن الأسعار المتباينة من معمل إلى آخر الذى لا يقبله منطق ولا ضمير ؟.. من الذى ينسج خيوط هذه المعاناة ؟ من يقود فريق الانتقام من أصحاب المعاشات، وكأن الكهولة وحدها لا تكفيهم ألمًا ؟
هل حكومتنا الرشيدة تعلم أن هذا الوطن به شعب، يتقاضى ربع سكانه وربما أكثر، راتبًا لا يتجاوز خمس آلاف جنيه فى الشهر ؟
إلى حكومة مصر الرشيدة–دعونا نتفق أولا أن المواطن هو الوطن– فإذا ضاع.. تضيع الأوطان وتتلاشى– لا على يد الغزاة بل تحت وطأة التجاهل واللامبالاة.
هل تعلم هذه الحكومة الرشيدة التى تستقطع رواتبها من دم هذا الشعب، وتكلفة حراساتهم اليومية لهم وأسرهم من ضرائب هذا الشعب التى تستقطع أيضا من ميزانية هذا الشعب.. أن الاقتصاد ليس معادلة لتعذيب الناس بل هو فن إدارة الموارد لحفظ الكرامة الإنسانية، فما دامت الشكاوى اليومية من الأسعار هى القاسم المشترك لكل بيت، فأى نمو اقتصادى هذا الذى تتحدث عنه تقاريركم الرسمية ؟.. كيف تصدق حكومة تقاريرًا تصف الاقتصاد بالصاعد، بينما المواطن يهبط يوميًا فى سلم الحياة ؟.. وكيف للحكومة أن تصدق أن هذا الشعب يؤمن بتقاريرها.. نعم لا يصدقها ولن يومن بها–طالما مازال يعانى ويكوى بنار الأسعار؟
.. فنحن لسنا أمام اقتصاد حر–يدار وفق منطق منظومة العرض والطلب، وفى ظل غياب الحكومة التى تطبق القانون بميزان العدالة الاجتماعية، بل نحن أمام حالة شاذة، انفلت فيها السوق من العقل ليختنق المواطن بين سدان الجوع، والتجاهل الحكومى الرسمى.
نعم لقد غابت الرؤية واختلطت الفوضى بالاحتكار الفاسد المدمر.
فمازال المواطن يسأل–هل تحولت الدولة إلى كشك للسلع–تدير بلا مسؤولية أو ضمير ولا بوصلة.. فالأسماك التى كانت مأمن الفقراء أصبحت أسعارها من الخيال، والفاكهة التى كانت تواسى الفقراء فقد خانتهم، واللحوم إنسحبت من مائدة الكثير من الأسر، والأسماك رفعت راية الاستسلام، والخضراوات انسحبت من موائد البسطاء، والفاكهة باتت حلم تتحدث الآن بلغة الدولار لا بلغة الأشجار أو الأرض.. والكل يسأل هل تحولت الحكومة من راع للمواطن إلى عبء عليه.. تنفق ببذخ على نفسها–وتركت المواطن يقتات على صبره وأحلامه المؤجلة.. فالأسعار لم تعد أرقامًا تكتب على اللافتات، بل صارت جروحًا تنقش على القلوب، والعدالة لم تعد مفهومًا دستوريًا، بل أمنية تائهة فى خطاب شعب ضاق بالحياة، شعبا بات لا يسأل فقط عن الخبز، بل عن المعنى عن الكرامة عن الحق فى البقاء.. شعب انشغل بأسئلة لا إجابة لها من كثرة الهم–من يسعر الحياة فى هذا الوطن ؟.. وأى عقل هذا الذى يزن معاناة الناس بتقرير أجوف لا قيمة له، من هذا الذى يقيس وجع الناس بمسطرة الربح فقط ؟.. ألم تعلم الحكومة الرشيدة أن أى دولة فى جوهر نشأتها وفكرة وجودها هى من أجل حماية الضعفاء لا لتكديس أرباح الأقوياء ؟.. ألم تعلم الحكومة الرشيدة أن المواطن البسيط هو نواة هذا الوطن، يتألم دما–فكل شيء حوله تحول إلى فاتورة مثقلة من الهموم والكوابيس القاتلة.. ألم تعلم هذه الحكومة الرشيدة أن الشارع تحول إلى غابة–فالميكروباص بلا تسعيرة–والسائق يدوس المنطق والقانون–فمن أجاز لهذا السائق أن يملى على الركاب ما يشاء، وإذا اعترض الراكب على خرقه للنظام الذى وضعه القانون، يكون مصير الراكب الطرد والنزول من المركبة مكسور الكرامة مهان، يقف فى الشارع وحيدًا ينتظر مصيرًا غير معلوم، فمن الذى منح لهذا السائق أن يقرر ويهين ويهدد ويحدد ويبدد، كأنما يملك الشارع ومن عليه، فى ظل قانون غائب ورقابة فاسدة، وفى الأسواق حدث ولا حرج، تتكرر المهزلة يوميًا دون ردع، فمن منح للتاجر فى الأسواق التسعير المزاجى، وكأن الحكومة قد رفعت يدها تمامًا عن فكرة التنظيم والرقابة، فدخول المواطن إلى الأسواق أشبه بالمهمة المستحيلة، أشبه بالمقامرة والمغامرة، كلما التفت يمينًا أو يسارا صدم بتباين أسعار لا تفسير له إلا الفوضى وغياب متعمد من الحكومة لإحراق دم المواطن، ولا نتيجة لهذه الفوضى سوى الضغط النفسى والإنفجار الصامت، هل هناك احد يستطيع أن يستوعب أن الفارق بين محل–وآخر–عشرات الجنيهات، ولا تفسير لها سوى الفوضى–فكيف لزجاجة زيت أن تباع ب ٤٥ جنيها فى محل و٧٥ أو ربما تصل إلى ٩٠ جنيها فى محل آخر على بعد خطوات ؟ وعندما تسال يكون الرد–أنه عرض من العروض المقدمة من الماركت للعملاء، انها الكوميديا السوداء، بل الكذب والنفاق , كيف لزجاجة زيت أن تتغير قيمتها من محل إلى آخر على مسافة أمتار ؟ كيف لسلعة واحدة أن تلبس وجوهًا عدة ؟.. أليس هذا إعلانًا عن موت العدالة الإقتصادية ؟ عن تراخ حقيقى فى تطبيق ما يجب أن يكون بديهيًا فى دولة مؤسسات ؟
إلى حكومتنا الراشدة–من يمسك بمقود الفوضى فى زمن يتآكل فيه المنطق، ويتساقط فيه شراع العدل–كما تتساقط أوراق الخريف–ليبقى المواطن وحده فى وجه الإعصار عاريًا من الحماية مثقلا بالأسئلة الانتحارية ؟
إنه انهيار لمنظومة أسمها العدالة الإقتصادية، وتراخ لمفهوم يفترض أن يكون بديهيا فى دولة ذات مؤسسات.. فما نراه ليس مجرد خلل عرضى بل مشهد عميق لغياب الحوكمة وغياب الشعور الحقيقى بالمسؤولية لدى من يفترض أنهم سدنة المسئولية، المواطن يجر يوميًا إلى هاوية الفوضى ولا يسأله أحد–هل بقى فى جيبك ما يكفى للحياة ؟–هل بقى فى قلبك ما يكفى من الصبر؟
إذا كانت الفوضى قد أصبحت عادة فمتى يعود النظام استثناء كريمًا ؟
ومن يعيد للعقل سلطته وللمواطن كرامته وللوطن روحه؟
وختامًا.. ومن منطلق المسؤولية الوطنية وإحقاقا للحق دون مجاملة أو تهوين، وبعيدًا عن التحيز أو المعارضة التى تهدم ولا تبنى، فإن الأمانة تقتضى الاعتراف بما تم بذله من جهد حقيقى من قبل الرئيس السيسى هذا الجهد، ايتها الحكومة الرشيدة أنتم تهدرون مجهود الرئيس، الذى لم يكن عابرًا أو شكليًا، مجهود أثمر عن خطوات ملموسة لا يجوز أن نهدرها أو نتجاوزها.. فقد يختلف البعض فى التقدير، لكن الثابت أن ما تحقق هو ثمرة عمل دؤوب يستحق أن يستكمل لا أن يختزل ويبنى عليه، لا أن يطوى صفحته–فتجاهل هذا المسار لا يسيء إلى فرد، بل يربك مسار وطن، ويقوض ثقة مواطن بات ينتظر إنجازًا فعليًا لا وعودًا مؤجلة، ومن غير المقبول–لا منطقيًا ولا إداريًا–أن يتحمل الرئيس مسؤولية الرقابة على الأسواق أو أن يظل فى مواجهة يومية لحماية المواطن وتلبية إحتياجاته، فهذه مسؤولية دولة بمؤسساتها، وعلى الحكومة أن تتحمل دورها الكامل وتحفظ ما تم بناؤه لأن إهدار هذه الجهود هو خذلان لثقة الرئيس وتقة العامة، وإساءة لتجربة محترمة أرادت الخير للناس.
وللحديث بقية.. إن شاء الله تعالى
[email protected]