الشرابية بلا رئيس
الفوضى تحكم الحى العريق
عربات "الكارو" تحتل الشوارع.. والقمامة تحاصر المنازل
الباعة الجائلون يحتلون الأرصفة والممرات.. وانتشار البناء العشوائى
«هيئة تجميل القاهرة»: نخوض حربا يومية ضد الإهمال
فى جولة ميدانية لـمحرر «الوفد» داخل حى الشرابية، كان المشهد أكثر من مؤلم ومروع، بداية من أولى خطواتنا فى شارع «حسنى» وشارع مصنع النسيج، قابلنا أكشاكا عشوائية تحتل الأرصفة بلا رحمة، تمنع المارة من السير، والأصوات تتداخل بين الباعة والصراخ المتكرر من ساكنين يشكون من الازدحام وعدم وجود أى رقابة فعلية.
على بعد أمتار قليلة، استرعى الانتباه عربات الخيول التى تحتل الشارع، تحتل صناديق القمامة المكدسة، وسط روائح كريهة تنتشر فى المنطقة، وكل هذا يحدث وسط غياب تام لكرسى رئيس الحى «الفارغ» أو أى مسئول يتدخل لفض هذه الفوضى.
توجهنا إلى أحد الأهالى، الذى تحدث بحسرة عن سرقة «مافيا المعادن» لكابلات الضغط العالى بشكل مستمر، ما يعرض المنطقة لانقطاعات متكررة فى التيار الكهربائى، بينما لا أحد يتحرك من مسئولى المتابعة الميدانية لحى الشرابية، لوقف هذا التهريب الصريح.
فى الشوارع الفرعية، وجدت البناء المخالف فى كل زاوية، يمتد عاليا دون تصاريح أو رقابة، وأكشاكا تجارية تحتل الشوارع، وتسد الطرق على السكان، وأطفالا يلعبون وسط هذا المشهد غير الآمن.
الكل هنا يتساءل: أين المسئولون؟ ولماذا لا نرى سوى الوعود التى لا تنفذ؟ الجولة الميدانية فى حى الشرابية تبرز معاناة حقيقية تعيشها أسرة مصرية يومية بين فوضى واهمال مستشرٍ.
العشوائيات تعلو.. والمتابعة تتفرج
فى ظل غياب واضح للرقابة، تفاقمت ظاهرة البناء العشوائى فى حى الشرابية، فى كل شارع وحارة وكان أبرزها من ساعات منطقة «مساكن المظلوم»، حيث بات المشهد أقرب إلى ورشة مفتوحة تعمل على مدار الساعة بلا توقف، وسط تجاهل تام من محافظة القاهرة بما انه لا يوجد رئيس حى.
شكا مواطن مهندسًا مدنيًا، رفض الإفصاح عن اسمه، كشف لـ«الوفد» عن حجم الكارثة قائلاً: «الوضع خرج على السيطرة، المبانى تتزايد بشكل فج، والبيوت الصغيرة التى شيدتها الدولة كسكن كريم للفئات البسيطة تحولت إلى محلات تجارية، تتحول ليلاً ونهارًا دون أى دراسة هندسية أو رقابة فنية».
وأضاف: «التحايل بلغ مداه، الشقق السكنية المخصصة من الدولة للإسكان تحولت إلى محلات تجارية، وكل دور جديد يبنى فوق المبنى الأصلى يتم دون تراخيص، والكل يعرف والمخالفات مستمرة».
وتابع بغضب: «بنشوف موظفين المتابعة جايين بعربية الحى، بيقفوا مع المخالف عشر دقايق على جنب، وبعد كده يمشوا وكأن شيئًا لم يكن، ثم يستكمل البناء فورًا أمام الجميع، وكأن هناك اتفاقات تجرى فى الظل»، قائلاً: «الحى بلا قيادة، لا رئيس حى نقدر نوصله، ولا مسئول يرد، والمواطن هو الضحية فى النهاية، سواء بسقوط مبنى، أو بفقدان أبسط حقوقه فى سكن آمن».
اشغالات الشرابية.. فوضى بلا رقابة
اشتكى عدد من سكان حى الشرابية من تفاقم أزمة الإشغالات والفوضى داخل أحيائهم، خاصة فى شوارع «حسنى» و«الجورن» و«سور الفرز»، ما يعكس حالة من الإهمال وغياب الرقابة الرسمية التى كان من المفترض أن تُنظم حركة البيع والشراء وتضمن حق المواطنين فى العيش الكريم.
قال محمد حامد من سكان شارع حسنى، لـ«الوفد»، «الإشغالات منتشرة بشكل فوضوى، الباعة يملأون الأرصفة والممرات، ما يجعل الحركة صعبة للغاية للمواطنين، خاصة كبار السن وذوى الاحتياجات الخاصة، حاولنا نبلغ المسئولين فى الحى، لكن لا يوجد أحد يتابع أو يستجيب».
وأشار آخرون إلى أن الأسواق المؤقتة وأكشاك البيع العشوائى باتت تغزو الشوارع، مستغلة غياب الرقابة الصارمة، وهو ما يسبب ازدحامًا مروريًا واضطرابًا يوميًا للسكان، وعدم وجود موظفى حى الشرابية فى الشوارع بشكل منتظم ساهم فى تفاقم المشكلة، حيث يترك المجال لباعة جائلين وأصحاب عربات «الكارو» لإشغال الطرقات، ما يزيد من معاناة المارة ويؤدى إلى تدهور الشكل العام للحى.
يطالب الأهالى بضرورة تدخل عاجل من قبل وليـد حسـنين عبدالمنعـم رئيس الحى القادم، لتفعيل حملات إزالة الإشغالات وفرض النظام، والحفاظ على حقوق السكان فى شارع نظيف وآمن، بعيدًا عن الفوضى التى تهدد جودة حياتهم.
الشرابية تغرق فى القمامة.. ولا عمال ولا استجابة.
تعيش شوارع حى الشرابية حالة من التدهور البيئى الملحوظ فى ظل غياب شبه تام لعمال النظافة، الأمر الذى تسبب فى تكدس المخلفات بشكل مزعج أمام مداخل البيوت، وسط صمت رسمى أثار غضب السكان.
محاسن إبراهيم، 45 عامًا، من أهالى الحى، عبرت لـ«الوفد» عن استيائها قائلة: «بقالنا شهور ماشفناش عامل نظافة يمر فى شارعنا، المخلفات بتزيد كل يوم، والريحة بقت لا تطاق، ومفيش أى جهة بتهتم بينا».
وأضافت، «رحنا بنفسنا لمبنى الحى وقدمنا شكوى عشان يرسلوا عمال يشيلوا الزبالة اللى قدام بيوتنا، لكن الرد كان، (دى مشكلة فى مورد العمالة)، ووعدونا إنهم هيتواصلوا معانا، ولحد النهارده مفيش حد سأل أو جه يشوف الشكاوى على الطبيعة».
تكرار هذا النوع من الشكاوى كشف عن أزمة أعمق تتعلق بضعف منظومة مسئول النظافة داخل المنطقة والإشراف داخل الحى، فالمواطنون باتوا غير قادرين على الوصول لأى مسئول، حتى لتقديم بلاغات عاجلة تتعلق بصحتهم وسلامة أبنائهم.
وفى جولة ميدانية لـ«الوفد»، رصدت أكوام من القمامة فى عدد من شوارع المنطقة، خاصة داخل الأزقة الجانبية ومداخل العمارات الشعبية، فى ظل غياب تام لأى رقابة أو متابعة من مسئولى عمالة النظافة.
أهالى الشرابية طالبوا بتدخل عاجل من محافظ القاهرة وسكرتير الحى المتوقع أن يكون رئيس حى قادما للشرابية، مؤكدين أن ما يحدث لا يليق بكرامة المواطن المصرى، ويهدد الصحة العامة، خاصة مع قدوم فصل الصيف، وانتشار الحشرات والروائح الكريهة.
القمامة فى حماية خيول «الكارو»
فى واحدة من صور الإهمال الصارخة التى يعانى منها سكان حى الشرابية، تحولت صناديق القمامة إلى مناطق محظورة بفعل انتشار الخيول التابعة للعربات الكارو، حيث أصبحت تلك الحيوانات تسيطر على محيط الصناديق، وتمنع المواطنين من أداء أبسط حقوقهم فى التخلص من المخلفات بشكل آمن.
نرمين محمد، 42 عامًا، من سكان الحى، كشفت لـ«الوفد» تفاصيل المعاناة اليومية التى تواجهها قائلة:
«كل مرة بننزل نرمى القمامة بنلاقى الحصان واقف قدام الصندوق، ومحدش يقدر يقرب غير صاحب العربة الكارو، بنخاف نعدى، ممكن يرفس أو يعض بقينا نرمى الزبالة من بعيد ونهرب».
وأكدت «نرمين»، أن المشهد لم يعد استثناءً، بل بات قاعدة يومية أمام صناديق القمامة بمنطقة «الشادر»، موضحة أن وجود الحيوانات بهذا الشكل وسط بيئة سكنية مزدحمة يعكس غيابًا تامًا للرقابة، وترك المرافق العامة عرضة للفوضى.
وأضافت، «اللى عايز يرمى القمامة لازم يستأذن من الحصان! والمصيبة إن مفيش حد بيتدخل ولا فى رقابة من الحى أو حتى نرى عامل نظافة يستطيع أن يساعدنا».
السكان طالبوا بتدخل فورى من حى الشرابية وهيئة النظافة لفرض الانضباط فى الشارع، ومنع استخدام الخيول بالقرب من صناديق القمامة، حماية لأرواح المواطنين، خصوصًا الأطفال وكبار السن، الذين قد يتعرضون للأذى فى أى لحظة.
وفى انتظار تحرك المسئولين، تبقى القمامة محاصرة بـ«الخيول»، والمواطن مهدد إن اقترب.
معركة يومية ضد العشوائية
أكد العميد وليد أبوالنصر، رئيس الهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة، أن الهيئة تسير بخطى ثابتة نحو رفع كفاءة الشوارع فى جميع أنحاء القاهرة، من خلال خطط عمل دقيقة تشمل تحديث المعدات واستبدال كل ما هو متهالك، حرصًا على تقديم أفضل خدمة للمواطنين والحفاظ على المظهر الحضارى للقاهرة.
وقال «أبوالنصر» فى تصريح لـ«الوفد»، «إن الهيئة تعمل على مدار الساعة، وأى معدة أو صندوق قمامة متهالك يتم تغييره على الفور دون تأخير، لا نسمح بأن يقف شىء قديم أو غير صالح أمام جهودنا لتجميل القاهرة»، مشيراً إلى أن الهيئة قامت مؤخرًا باستبدال أكثر من 120 صندوق قمامة قديم فى المنطقة الشمالية وحدها، ضمن خطة شاملة تشمل كافة الفروع التابعة للهيئة فى تلك المنطقة، مؤكدًا أن باقى الصناديق التى لا تصلح يتم تكهينها فورًا.
وأضاف رئيس الهيئة، أن العمل لا يقتصر فقط على النظافة بل يمتد إلى تجميل الميادين وتشجير الشوارع ورفع كفاءة المعدات بشكل دورى، تنفيذًا لتوجيهات القيادة ومحافظة القاهرة بضرورة الحفاظ على المظهر الحضارى والشكل الجمالى للقاهرة.
وفيما يتعلق بوجود أحصنة بجوار صناديق القمامة، أوضح «أبو النصر»، أن تلك الخيول لا تتبع الهيئة ولا تقع تحت إشرافها، وإنما تخص الحى التابع له المكان، مؤكدًا أن دور الهيئة ينحصر فى النظافة ورفع المخلفات.
وختم رئيس الهيئة تصريحاته بتوجيه رسالة طمأنة للمواطنين قائلاً: «نعمل بكل طاقتنا ونخوض حربًا يومية ضد الإهمال والعشوائية.. هدفنا هو عاصمة نظيفة تليق بمصر وتاريخها».
كابلات الضغط العالى تتحول لغنيمة
خلال جولة ميدانية أجراها محرر «الوفد» فى شوارع حى الشرابية، تم رصد وجود كابلات كهربائية ملقاة بشكل عشوائى داخل أرض فضاء مهجورة «ارض الحكر»، ما يثير علامات استفهام كبرى حول الجهة المسئولة عن هذا الإهمال الجسيم.
وبعرض الصور التى التُقطت للكابلات على ثلاثة مهندسين مختصين فى مجال الإنارة، أكدوا جميعًا أن تلك الكابلات تُستخدم فى خطوط الضغط العالى، ويتراوح مقاسها ما بين 16 و25 مللى، وهى من النوع رباعى الأطراف، وأوضح المهندسون أن ثلاثة من هذه الأطراف تُستخدم لتوصيل الكهرباء، بينما الطرف الرابع – الأسود – مخصص للتأريض (الأرضى)، وهو عنصر أساسى فى حماية الأرواح والمعدات من مخاطر الصواعق أو تسربات الكهرباء.
المشهد يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الكابلات مهملة أم مسروقة، ومن المسئول عن ترك معدات كهربائية بهذا الحجم فى منطقة مفتوحة قد تكون عرضة لعبث الأطفال أو ضعاف النفوس، كما يُحذر خبراء من أن هذه الكابلات، فى حال كانت لا تزال موصلة، قد تشكل تهديدًا مباشرًا على حياة السكان.
فى أعقاب ما رصدته «الوفد» من كابلات كهربائية ملقاة داخل أرض مهجورة بحى الشرابية، وما أثاره ذلك من مخاوف بشأن مصدرها وخطورتها، تواصلنا مع العميد عبدالهادى شعبان، مدير عام الهيئة العامة، للوقوف على حقيقة الأمر.
وأكد «شعبان»، فى تصريح لـ«الوفد»أن الكابلات التى ظهرت قد لا تكون من ممتلكات الهيئة أو حتى من نطاق الحى، بل من المحتمل أن تكون قد جُلبت من خارج المنطقة بالكامل، وأشار إلى أن بعض الأشخاص قد يكونون وراء تفريغ تلك الكابلات عمدًا بغرض استخلاص المعادن الثمينة منها مثل النحاس والألومنيوم، وهى ظاهرة باتت متكررة فى بعض المناطق النائية، حيث يستهدف بعض الخارجين على القانون كابلات الضغط العالى للحصول على مكوناتها وبيعها فى السوق السوداء.
وشدد مدير الهيئة، على أن المناطق التى تضم كابلات رئيسية تقع تحت مراقبة مستمرة من قِبل ملاحظين ميدانيين يتابعون حالة الإنارة بشكل يومى، ما يجعل من الصعب العبث بها أو سرقتها دون رصد، والتعامل بحسم مع كل من تسول له نفسه العبث بالبنية التحتية أو موارد الدولة.
لن نترك الشارع للفوضى
أكد وليد حسنين عبدالمنعم، سكرتير حى الشرابية، فى تصريح خاص لـ«الوفد»، أن كافة الشكاوى التى طرحها أهالى الحى بشأن مخالفات البناء، والإشغالات، وتراكم المخلفات، وإنشاء أكشاك عشوائية، وتجمع الحيوانات التابعة لعربات الكارو، هى محل اهتمام مباشر، مشددًا على أن «الحى لن يترك الشارع فريسة للعشوائية أو الإهمال».
وأضاف «عبدالمنعم»، «وصلتنى مخالفة الساعة 6 صباحًا، ونزلت نفذتها بنفسى الساعة 10 صباحاً، ومفيش حاجة هيتسكت عليها، لأن أى تجاوز فى حق الشارع أو المواطن لازم يترد عليه فورًا»، مؤكدًا أن هناك خطة مرتقبة لإعادة تنظيم كافة المخالفات الظاهرة فى الشارع خلال الفترة المقبلة، موضحاً أن منصبه كسكرتير حى يقتصر على المهام المالية والإدارية، وليس التنفيذ الكامل كرئيس حى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض