رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

مع كل إطلالة لشهر رمضان، تتجدد مشاهد مألوفة، ويطلّ علينا ذات السائلين، وكأنما يصومون لأول مرة. تنهال الأسئلة المتكررة على الشيوخ وأئمة البرامج، وكأنها لم تُطرح من قبل، وكأنها لم يُجب عنها آلاف المرات عبر السنين. هل قطرة العين تفطر؟ ما حكم صيام الحامل والمرضعة؟ ماذا لو أدركني الفجر وفي فمي ماء؟ وما حدود العلاقة الزوجية في نهار رمضان؟ تساؤلات تتكرر كل عام، كأنما الصيام تجربة غامضة، أو أن جوهره لا يُدرك إلا عبر هذه التفاصيل

لكن، في زحام هذه الأسئلة، تضيع الأسئلة الحقيقية؛ أين نحن من روح رمضان؟ أين انعكاس الصيام على سلوكنا؟ كيف لنا أن نُجيد الفتاوى بينما نعجز عن ضبط الغضب، وعن كف الأذى، وعن اجتناب النميمة والرياء؟ لماذا يختزل البعض الدين في نصوصٍ وأحكام، بينما يُغفلون أنه رسالة إصلاحية، جاءت لترتقي بالنفس، وتحررها من قيود الشهوات والغرائز، وتفتح لها أبواب الرقي والصفاء؟

الصيام ليس مجرد انقطاع عن الطعام والشراب، بل هو امتحان للإرادة، وكبح للرغبات، وانتصار على الأهواء. لكنه لدى البعض يتحول إلى ممارسة آلية، يتعاملون معها وكأنها فرضٌ يجب إتمامه شكلاً، لا روحاً. يصومون، لكنهم يفتقدون نور الصيام، يحرصون على صحة العبادات، لكنهم يغفلون عن أثرها في نفوسهم وسلوكهم، فيتحول الصيام لديهم إلى طقس جامد، لا يُفضي إلى نقاء القلب ولا تهذيب النفس، بل ربما يُزيدها قسوةً وغلظة

إن الدين لم يُفرض ليكون مجموعة من الطقوس الميكانيكية، بل هو رحلة سموّ، وميدان تزكية للنفس، وباب إلى المعاني الكبرى للحياة. ولكن حين يُختزل في مجرد التزام حرفي، دون وعي بجوهره، يفقد بريقه، ويتحول إلى عادةٍ خاوية، تُمارس بلا روح، وتُؤدى بلا أثر

رمضان ليس موسماً للأسئلة المستهلكة، ولا ميداناً للمجادلات العقيمة، بل هو ميقات للتجرد من أثقال العادة، والانطلاق في فضاءات الروح، حيث تسمو النفس، ويصفو القلب، ويعلو المقصد. هو امتحان تتجلى فيه معاني الصبر، وميزان يزن به الإنسان صدق نيته قبل دقة التزامه. فمن لم يُغيّره رمضان، فمتى يتغير؟ ومن لم تهذب روحه نفحات الشهر الكريم، فكيف له أن يدّعي بلوغ مقاصده؟

فمن صامه بجسده دون قلبه، بقي رهين العادة، ومن صامه بروحه قبل جوارحه، أشرق بنور الهداية، وتطهرت نفسه من شوائبها. فالصيام ليس في الجوع والعطش، بل في انتصار الإنسان على أهوائه، وتزكية نفسه من أدرانها، وترويض روحه على الصبر والخشوع. ومن وعى ذلك، أدرك سرّ رمضان الأعظم، وعبر بصومه من عادةٍ راكدة إلى عبادةٍ توقظ الروح، وتفتح أبواب النور

ويبقى السؤال الذي لا يلبث أن يعود مع كل رمضان: صايم.. ولا زي كل سنة؟