عاجل
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كيلو الهياكل بـ45 جنيهاً.. وسقط اللحوم لمن استطاع إليه سبيلاً

أكل الغلابة «نار»

بوابة الوفد الإلكترونية

 

«العين بصيرة والإيد قصيرة» شعار ربات البيوت الآن بعد أن ارتفعت أسعار كل أنواع الأطعمة فى مصر، ولم يعد أمامهن سوى البحث عن «أكلات على قد الإيد»، حتى لا يحرمن أفراد أسرهن من طعم اللحوم والدواجن بعد ارتفاع أسعارها بما جعلها ليست فى متناول أكثر من نصف الشعب المصرى، الذين يعيشون فى دوامة من الحيرة، يصارعون من أجل البقاء فى ظل معادلة غير عادلة تتمثل فى أجور متدنية وثابتة، وأسعار فى تزايد مستمر، وحكومة عاجزة عن السيطرة، ليتحول توفير الطعام إلى كابوس، ومن ثم زاد الإقبال على عظام الدواجن «الهياكل» وأرجلها، والحوائج وهى رقاب وأجنحة وأرجل الدجاج، فهى البديل الأرخص المتاح للأكثر فقراً، والذين بلغت نسبتهم 20 مليون نسمة خلال عام 2022 طبقاً لتصريحات وزيرة التضامن، ومع زيادة الأسعار تزداد الأعداد أكثر وأكثر.

ولكن يبدو أن المصريين الذين «رضوا بالغلب لم يرضَ الغلب بهم» فقد ارتفعت أسعار أرجل الدواجن وهياكلها، بعد أن تخطى سعر كيلو الفراخ البيضاء الـ100 جنيه، واتجه العديد لتناول العدس والفول والكشرى كبدائل للحوم، إلا أن هذه الأكلات الشعبية المعروفة بطعام الفقراء، لم تنجُ من مقصلة الأسعار، حيث بلغت نسبة الزيادة فى سعر العدس نحو 100% عن العام الماضى، وزاد سعر كيلو الفول من 50 جنيهاً إلى 70 جنيهاً، ويصل إلى 90 جنيهاً للكيلو المغلف بالمحال التجارية، كما أن سعر كيلو القمح وصل إلى 50 جنيهاً، أما العدس الأصفر فوصل سعره إلى 80 جنيهاً، وأعلنت الأسر المصرية حالة الطوارئ وشد الأحزمة على البطون لكى تستطيع مواصلة الحياة.

وبعد ارتفاع الأسعار تعالت الأصوات بالشكوى، وهو ما أكدته منال أحمد- ربة منزل متزوجة منذ 18 عاماً ولديها أربعة أبناء- تقول «أنزل أسبوعياً إلى سوق الأميرية الذى يضم محلات لبيع أرجل الدجاج وبقايا الأطعمة، مضيفة أن «أرجل الدجاج أصبحت ملجأنا للتغلب على ارتفاع الأسعار، خاصة بعد وصول سعر كيلو الدجاج لأكثر من 90 جنيهاً، وليس باستطاعة زوجى توفيرها إلا مرة فى الشهر، فأشترى دجاجة ومعها هياكل لتكون مكملة للوجبة الدسمة التى يتلهف عليها أبنائى الأربعة، وبعدها أتوجه للسوق أسبوعياً لشراء الهياكل، فالكيلو منها بـ45 جنيهاً، أما الأجنحة والأرجل فتصل إلى 35 جنيهاً، وأحياناً 40 جنيهاً.

وفى سوق الثلاثاء بالجيزة، أكدت «أم عزة»، ربة منزل أن زوجها أرزقى على باب الله يوم معاه ويوم معهوش وتقول: «باجى هنا السوق بشوف الموجود وأشترى منه، الحاجة هنا رخيصة وكتير وتسد الجوع، بجيب جبنة ولانشون وزيتون للفطار والعشا والغدا وكل مرة تختلف الأسعار، وساعات ألاقى لحمة مستوية بواقى الفنادق بس دى الصبح بدرى لازم أخدها بدرى عشان متفسدش بسرعة، وبصراحة السوق ده موسع علينا، وتابعت أشترى هياكل الدجاج بعد أن ارتفعت أسعار الدجاج المجمد الذى كان يقترب من نهاية صلاحيته، والذى كنا نشتريه من قبل بأرخص الأسعار، أما الآن فأسعاره زادت وأصبحت لا أستطيع شراءه.

«هناك أطعمة لن تعرفها الأجيال الجديدة بسبب الارتفاعات التى لا تطاق فى الأسعار».. بتلك الكلمات تحدثت أم مصطفى من دار السلام قائلة: حتى هياكل الدجاج لم تسلم من زيادة الأسعار، حيث وصل سعرها إلى 50 جنيهاً، بعد أن كان بعشرة جنيهات فقط قبل عدة أشهر، متسائلة: إذا كانت الدولة سعيدة بالجسور والمدن الجديدة، فهل ترى ماذا فعلت بالشعب الذى لم يعد يستطيع حتى شراء الطعام؟

وشكت نجوى فتحى موظفة حالها قائلة: أصبحنا نعانى فى الفترة الأخيرة بشدة، وبدأت الخلافات تداهم بيتى، فزوجى يطالبنى بتدبير أمور المنزل بمبلغ معين والأسعار اشتعلت فماذا أفعل؟ مضيفة أنها حصلت على إجازة بدون راتب لرعاية طفلتها من ناحية، ولتوفير اشتراك الحضانة وثمن المواصلات من ناحية أخرى، ومصروف البيت لم يعد يكفى لسد مصاريف الطعام والشراب فقط، فكيف نعيش؟

وفى سوق السيدة عائشة، حدثتنا أم بلال 50 عاماً عن حكايتها مع ارتفاع الأسعار قائلة: «عندى 3 أولاد محتاجين 3 وجبات يومياً، وجوزى أرزقى وأنا بساعده فى مصاريف البيت، وبنعمل جمعيات عشان نقدر نعيش، وكل دخلنا لا يتعدى 3000 جنيه، عايشين فى شقة إيجار بـ1500 جنيه، والباقى نصرف بيه على مدارس الولاد وأكل وشرب وعلاج، وكل يوم بسأل نفسى أزاى أكمل الشهر فى وسط الغلا ده؟»، متابعة «أنا مش بقول عايزين ناكل لحمة وفراخ، إنما العدس والباذنجان والفول يبقوا بالأسعار دى؟! مبقيناش قادرين على تمنهم خلاص، شوفو كرتونه البيض بكام؟ والزيت بكام؟ وكيلو العدس بكام؟ عشان تعرفو الوضع بقى عامل أزاى».

وجبة واحدة 

وفى وسط القاهرة يقول رضا سيد «51 عاماً - عامل محارة: أنا بقيت باكل وجبة واحدة فى اليوم عشان أوفر، فوجبة الإفطار البسيطة فى أى مطعم «بتقطم الضهر»، وأسعار طبق الكشرى ارتفعت نتيجة لارتفاع أسعار المكرونة والأرز والطماطم والزيت، دا غير الإيجار والميه والكهربا وخلافه، عشان كده بقيت أكل وجبة واحدة فى اليوم توفيراً للمصاريف، وبردو مش عارفين نعيش!!

وفى سوق الأحد بمنطقة شبرا، تقول إحدى السيدات التى تبلغ من العمر 55 عاماً، ربة منزل ولديها أسرة مكونة من 5 أفراد: «إحنا نسينا طعم السمك، وبقيت بدور على البدايل، زى البساريا اللى بنسميه «جمبرى الغلابة» واللى وصل سعره لـ50 جنيهاً بعد 20 جنيهاً.

وأضافت: إذا أردنا أن نتذوق اللحوم أذهب للمدبح وأبحث عن «ترويق اللحم» أو «التقاطيع»، التى تشمل الماسورة والعصب والقطعة التى يوضع عليها الختم وأحياناً ألجأ إلى «عفشة المواشى» وهى «الفشة والكرشة والممبار والطحال وغيرها من أحشاء الماشية»، التى باتت البديل عن اللحم الأحمر الذى وصل سعر الكيلو منه إلى 400 جنيه.

فيما تقول إيمان رضا ربه منزل ثلاثينية أن: «الأكلات الشعبية أصبحت أمراً واقعاً على المائدة المصرية، بسبب غلاء المعيشة، والمشكلة اللى بتقابل بعض الستات هى الزوج والأولاد اللى بيشترطوا وجود اللحمة بصفة يومية، لكن أعتقد دلوقتى بسبب الخنقة المالية اللى إحنا فيها، واللى الناس كلها شاعرة بها، الأمر اتغير، وفى أواخر الشهر بشترى هياكل الدجاج لعمل شوربة للأولاد «وأهو كله بروتين» وأفضل من لا شىء، كما أننا أصبحنا نسعى لتقليل احتياجاتنا حتى نتمكن من العيش والمرور من الظروف الصعبة التى تواجهنا، والأسعار التى لم تعد فى متناولنا.

طعام واحد

وتقول الحاجة «حياة محمد» خمسينية: «أعيش مع زوجى وأولادى الستة، فى حالة من الضنك والفقر، ووصل بنا الأمر إلى أننا نتناول نفس الوجبة بصفة يومية، وهى الجبنة «القريش أو القديمة» مع كوب شاى فى الغدا، والعشاء إما فول مدمس أو «قرنبيط» أو عدس، وبعد زيادة أسعاره أمتنعنا عنه، أما وجبة الفطار فبقينا بنوفرها، وأضافت كل حاجة بقت غالية علينا ونفسى ربنا يريحنى بقى من الشقا والفقر.

بكلم نفسى

وتقول «أم ياسمين» التى التقينا بها فى سوق الناصرية بوسط القاهرة: الواحد بيلف السوق مرتين و3 يدور على الحاجة الأرخص حتى لو كانت رديئة هاعمل ايه؟ وأضافت: الواحد ماشى يكلم نفسه من الغلا، بطلت أشترى لحمة بلدى بشترى كيلو من الجمعية كل شهر، ومرة أطبخ أى خضار ومرة عدس، متسائلة: من يصدق أن كيلو البطاطس يصل لـ40جنيهاً، والرز نفس السعر، والبطاطس 30 والبصل 25، وأكدت أنها كانت تشترى كميات معينة من الخضار واللحوم، ولكن مع ارتفاع الأسعار اضطرت إلى تقليلها واستغنت عن شراء اللحوم والسمن البلدى تماما، واكتفت بالسمن النباتى وزيت التموين.

فقراء بلا نصير 

وداخل سوق المذبح ارتفعت أسعار لحوم السقط بشكل مبالغ فيه، لتقول الحاجة سعدية: «زوجى يعمل باليومية ولا نستطيع شراء اللحمة، وكنت أشترى الكرشة والفشة والممبار بدلاً منها، إلا أن أسعارها ارتفعت هى أيضاً، حيث وصل سعر كيلو الممبار إلى أكثر من 80 جنيهاً، والكرشة والفشة وصلت إلى 70 جنيهاً، حتى لحمة الرأس وصل سعرها إلى 150 جنيهاً، أما الكوارع فقد وصل سعرها إلى 300 جنيه وكذلك العكاوى، وبذلك أصبحت لحوم الفقراء للأغنياء القادرين على شرائها، أما نحن فلا ناصر لنا».

بدائل على قد الأيد

وبعد أن رصدنا هذه المعاناة لجأنا للدكتورة انتصار سعد، أستاذ التغذية، التى وضعت عدة بدائل للأسر، تعويضاً عن ارتفاع أسعار اللحوم، منها البقوليات كالفول والعدس، مشيرة إلى أن العدس الأصفر يحتوى على كمية كبيرة من البروتين و100 جم منه فقط تمنح الجسم 370 سعراً حرارياً، ويحتوى على 5.23٪ من البروتينات و54.8 كربوهيدرات و9.1% دهون، أى أنه بروتين آمن وخالٍ من الدهون الضارة، وبسبب نسبة الكربوهيدرات التى يحتوى عليها العدس يعتبر مصدراً جيداً للطاقة، كما أنه يحتوى على فيتامين (ب 9)، و(ب 6) المقويين للأعصاب، ويحتوى أيضاً على مركبات حديد وفسفور، وكالسيوم، وفيتامين (أ)، وبه مواد مضادة للأكسدة، لذا يفضل كثير من المصريين تناوله خلال الشتاء مع طبق سلطة خضراء كوجبة متوازنة، وليس هناك أى ضرر من تناول العدس حتى ولو بصفة يومية إلا على المصابين بـ«أنيميا الفول» وكذلك من لديهم مشكلات صحية فى المعدة والقولون، لافتة إلى أنه يجب معرفة فوائد البروتين فهو مصدر أساسى لنمو الجسم وبناء العضلات والأنسجة، وتكوين أجسام مضادة تحارب الالتهابات التى قد يتعرض لها الجسم لأسباب مختلفة، مع العلم أن نسبة البروتين اليومية التى ينبغى أن يحصل عليها الأشخاص البالغون تقدر بنحو 54 جراماً لجسم يزن 68 كجم، وينبغى أن يزيد فى حالة النساء الحوامل والمرضعات والأشخاص الرياضيين.

وتابعت «سعد»، ومن ضمن بدائل اللحوم البليلة أو القمح الذى يطلق عليها «ملك الحبوب» لما له من قيمة غذائية عالية، حيث إن 100 جم من القمح تحتوى على 340 سعراً حرارياً، كم أنه يضم أملاحاً معدنية وأحماضاً أمينية وحديد ويود وسيلينيوم وفيتامين (ب1) و(ب2) و(ب6) و (E) المقوى للمناعة، كما يمنع الإصابة بالإمساك، ويقلل من مخاطر الإصابة بسرطان الأمعاء الغليظة، ويمكن تناول البليلة باللبن كوجبة إفطار خاصة للأطفال، فضلا عن الذرة الصفراء والخضراوات الورقية كالسبانخ والجرجير.

وأشارت خبيرة التغذية إلى أن للحمص قيمة غذائية عالية، فـ«100 جم» منه تحتوى على 164 سعراً حرارياً، وهو مصدر غنى بالبروتين النباتى وكذلك الكربوهيدرات، كما يحتوى على أملاح معدنية وحديد وزنك وفسفور، وهى عناصر مهمة لتقوية الذاكرة، ويعمل على بناء الأنسجة، ويخفض نسبة الكوليسترول الضار فى الدم وينظم السكر ويمنع الأكسدة لاحتوائه على مادة «السابونين»، التى تخفف من نسبة تكاثر الخلايا السرطانية، وترفع من كفاءة الجهاز المناعى، وتنصح الدكتورة انتصار بنقع الحمص قبل سلقه لمدة 12 ساعة والتخلص من مياه النقع لاحتوائها على سم «الفاتوكسن»، واتباع الطريقة نفسها مع جميع البقوليات والحبوب، مشيرة إلى أن تناول هذه الأكلات بشكل معتدل وصحى يمد الجسم باحتياجاته من المواد الضرورية، دون إدخال إضافات خارجية مثل السمن أو الدهون إلى العدس والأفضل طهوه مع خضروات كالكوسة والجزر، وتجنب البطاطس حتى لا نرفع نسبة الكربوهيدرات بالوجبة.

وأضافت: يجب ألا ننسى الباذنجان والذى يحتوى على العديد من العناصر الغذائية المفيدة، ويمكن اعتماده كبديل للحوم والدجاج، حيث أثبتت الدراسات أنه يعزز من صحة القلب والشرايين ويحافظ على ضغط الدم، بفضل احتوائه على بعض مركبات الفلافونويد بما فيها الأنثوسيانين، كما إنه يخفف الوزن الزائد بسبب احتوائه على سعرات حرارية قليلة وخلوه من الدهون، كما يمكن اعتبار فول الصويا بديل للحوم فهو مصدر غنى بالبروتين بنسبة 40% تقريبا، ويحتوى على الأحماض الدهنية غير المشبعة مثل أوميجا 3، وبعض المعادن كالحديد والمغنيسيوم، ووهناك أيضاً القرنبيط الذى يسهل إدراجه فى النظام الغذائى بأصناف متنوعة على السفرة تمد أفراد العائلة بالبروتين النباتى، وهو ما ينطبق كذلك على البازلاء الخضراء والبروكلى الذى يمنح الجسم 4 جرامات من البروتين، كما أن استخدام نصف كيلو من اللحوم الحمراء مع إضافة كمية من دقيق فول الصويا يمكن أن يعزز القيمة الغذائية ويخفف الأعباء الاقتصادية، ما يجعل النظام الغذائى أكثر توازناً وفائدة.