النظافة سلوك متحضر، بل هى عنوان الحضارة، ولا يمكن لشعب يمتلك حضارتين عظيمتين من أعظم الحضارات التى عرفها التاريخ الإنسانى أن يهمل هذا السلوك الحضارى، فنحن أبناء حضارة تضرب فى جذور التاريخ وأعماقه لأكثر من سبعة آلاف عام، وحضارة أخرى هى حضارتنا الإسلامية الراقية، وقد امتزجتا معاً لتصنعا نسقاً فريداً مميزاً للشخصية المصرية.
وهذه الحضارة الراقية تدعو إلى الأناقة والجمال، والبعد عن كل ما يؤذى وينفر ولا يقره الذوق ولا الطبع السليم، فقد امتدح الحق سبحانه وتعالى أهل مسجد قباء لحرصهم على الطهارة والنظافة، فقال سبحانه: «فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين» (التوبة: 108)، وأمرنا سبحانه أن نأخذ زينتنا عند كل مسجد، فقال: «يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد» (الأعراف: 31)، وأمرنا أن نطهر وننظف أجسادنا وثيابنا، فقال سبحانه: «أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنباً فاطهروا» (المائدة: 6)، وقال سبحانه وتعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: «يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر» (المدثر: 1-4)، وقد بين رسولنا محمد (صلى الله عليه وسلم) أن الطهور نصف الإيمان، أى نصف الدين، فقال (عليه الصلاة والسلام): «الطهور شطر الإيمان» (صحیح مسلم)، بل إن الإسلام قد جعل الطهارة والنظافة الكاملة للجسد والثوب والمكان شرطاً لقبول أهم عبادة فى حياة المسلم والركن العملى الأول فى الإسلام بعد الشهادتين، وهو الصلاة، فقال (صلى الله عليه وسلم): «إن الله عز وجل لا يقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول» (مسند أحمد)، بل أبعد من ذلك فإن النبى (صلى الله عليه وسلم) قد أكد فى حديثه الصحيح أن عدم الطهارة من البول وحسن الاستبراء منه كان سبباً لعذاب رجل فى قبره، وذلك حينما مر (صلی الله عليه وسلم) بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان فى كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشى بالنميمة» (متفق عليه)، وفى رواية «إنهما يعذبان، وما يعذبان فى كبير، أما هذا فكان لا يتنزه من البول، وأما هذا فكان يمشى بالنميمة» (سنن أبى داود).
ونهى ديننا الحنيف عن كل ما يلوث الماء، أو المكان، أو يعكر على الناس صفو حياتهم، أو يسبب لهم الأذى والاشمئزاز، فنهى عن التبول فى الماء، أو فى الظل، أو فى طريق الناس، أو فى الأماكن العامة، فقال (صلی الله عليه وسلم): «اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذى يتخلى فى طريق الناس وفى ظلهم» (مسند أحمد).
كما نهى الإسلام أن يبول الإنسان فى مستحمه أى المكان الذى يقوم بالاستحمام فيه، سواء أكان نهراً أم بحراً أم حمام سباحة، أو أن يتبول فى اتجاه الريح، ووضع لذلك آداباً عظيمة فصلتها كتب الفقه فى أبواب الطهارة.
ومن يعدد الاغتسالات الواجبة كالغسل عند البراءة من الحيض، أو الاستحاضة أو النفاس ، أو بعد الجماع ، أو عند نزول المنى، أو الاغتسالات المسنونة كغسل الجمعة عند من قال بأنه سنة - وهو قول الجمهور، وإن كان بعض الفقهاء قد ذهب إلى القول بوجوبه - وغسل العيدين، وغسل من غسل الميت، والغسل لدخول مكة، وغير ذلك من الاغتسالات المسنونة المتعددة يدرك مدى عناية الإسلام بالنظافة، بل أبعد من هذا فقد حث الإسلام على الجمال والتحلى به، فعندما قال نبينا (صلی الله عليه وسلم): «لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال ذرة من كبر»، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً، قال (صلى الله عليه وسلم): «إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس» (صحیح مسلم)، وسن الإسلام السواك لطهارة الفم، ودعا إلى غسل باطن أصابع اليدين والقدمين عند كل وضوء فيما يعرف بتخليل أصابع اليدين والرجلين، وجعل إسباغ الوضوء أى إكماله وإتمامه على المكاره وفى شدة البرد ماحياً للسيئات مضاعفاً للحسنات، فقال (صلی الله عليه وسلم): «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط»، (صحيح مسلم)، وقد جعل الإسلام العمل على نظافة الطرقات ورفع الأذى عنها وعدم طرحه فيها شعبة من شعب الإيمان، فقال (صلى الله عليه وسلم): «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (صحیح مسلم) وهذا الحديث يعطى إماطة الأذى عن الطريق مكانة عظيمة بإدخال ذلك فى شعب الإيمان والنص عليه صراحة، ويؤكد ذلك أن رجلاً سأل النبى (صلى الله عليه وسلم) عن عمل يدخله الجنة، فقال له النبى (صلى الله عليه وسلم): «أمط الأذى عن الطريق» (مسند أحمد)، وفى حديث آخر: «وتميط الأذى عن الطريق صدقة» (متفق عليه). وفى كل ذلك ما يؤكد أن حضارتنا تدعو إلى كل مظاهر النظافة والطهارة والجمال، وتنهى عن كل ألوان النجاسة والقبح والأذى، مما يتطلب منا أن نلتفت وبقوة إلى أهمية النظافة فى حياتنا حتى لا نؤذى أنفسنا أو نؤذى غيرنا، فإن لم نقم بالإسهام فى نظافة نيلنا وبيئتنا ومجتمعنا ومحيطنا، فعلى أقل تقدير لا نكون سبباً فى أذى الناس وأذى أنفسنا، سواء بإلقاء القمامة أو المخلفات فى الطرق أو الأماكن العامة، أم بصرف مخلفاتنا من الصرف الصحى أو الصناعى على نيلنا العذب، أو أن نلوثه بإلقاء القمامة أو المخلفات فيه، أو أن نشوه جماله بإلقاء المخلفات على ضفافه وشواطئه، فعلى كل واحد منا أن يعمل على نظافة جسده، وثوبه، ومكانه ومدرسته، ومكان عمله، وأن يسهم فى نظافة مجتمعه، بأن يميط الأذى عن الطريق، ويسهم قدر استطاعته وأقصى طاقته فى أن نكون مجتمعاً راقياً نظيفاً متحضراً، على أن الأمم المتحضرة يمكن أن تحول القمامة لثروة بتنظيم جمعها وإعادة تدويرها، فهل نحن جادون فى ذلك؟ وهل نحن قادرون عليه؟ بكل تأكيد نعم، على أن نتحول من التنظير إلى التطبيق، وعلى أن يبدأ كل واحد منا بنفسه، وليكن شعارنا: «معاً لمجتمع نظيف متحضر».
--
وزير الأوقاف
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض