لقد انسلخت الجماعات المارقة من دينها وإنسانيتها فى آن واحد إلى عالم آخر لا نعرفه، إذ إنها لا تنتمى إلى عالم الأديان، فالأديان كلها تدعو إلى الرحمة والتسامح، لا إلى الحرق، ولا إلى الذبح، ولا إلى التمثيل، ولا إلى التنكيل بالبشر، كما أنه لا يمكن أن يكون هذا عالم الإنسانية، فالإنسانية السوية لا يمكن أن تقر هذه الجرائم وتلك الفظائع التى لا يمكن أن يحتملها أى حس إنسانى سليم إلا من طمست بصيرته وانسلخ من إنسانيته.
وهنا يجدر بنا أن نؤكد أن ديننا براء من كل ذلك، قد نهى نبينا (صلى الله عليه وسلم) عن المثلة- أى التمثيل بالموتي- ولو بالكلب العقور، وقال (صلى الله عليه وسلم): ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تمثلوا، كما نهى (صلى الله عليه وسلم) عن التعذيب بالنار فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار، بل أبعد من هذا وأكثر بيانا لأن الإسلام دين رحمة لا دين عنف ولا قتل ولا تنكيل حتى بالحيوان وهذا ما ذكره نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم): عذبت امرأة فى هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هى أطعمتها وسقتها، إذ حبستها ولا هى تركتها تأكل من خشاش الأرض. وعن أبى هريرة (رضى الله عنه)، قال: قال النبى (صلى الله عليه وسلم) بينما كلب يطيف بركية، كاد يقتله العطش، إذ رأته بغى من بغايا بنى إسرائيل فنزعت موقها فسقته فغفر لها به ورأى النبي (صلى الله عليه وسلم) رجلا يتعب جمله، فقال: افلا تتقى الله فى هذه البهيمة التى ملكك الله إياها، فإنه شكا إلى أنك تجيعه وتدئبه أي: تتعبه وتشق عليه، ولما رأى (صلى الله عليه وسلم) حمرة تحوم حول عشها جيئة وذهابا تبحث عن فراخها قال (صلى الله عليه وسلم): من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها.
أرأيت إلى هذه الرحمة بالطائر والحيوان فضلا عن الإنسان، فأين نحن من هذه الرحمة، وأين نحن من هذه الإنسانية، وأين نحن من هذا الرقي؟! إننا لفى حاجة ماسة إلى فهم ديننا فهما صحيحا، ثم تطبيقه على أرض الواقع تطبيقا ينم عن حسن فهمنا له، وإيماننا به، وحرصنا عليه، لنواجه الشر بالخير، والهدم بالبناء، مدركين وموقنين أن أهل الباطل لا يعملون إلا فى غياب أهل الحق، وأننا إذا أحسنا فهم ديننا وعرضه على الناس عرضا صحيحا، لانقشع الباطل والضلال بفضل الله عز وجل ثم بقوة أهل الحق ونصاعة حجتهم، حيث يقول الحق سبحانه وتعالي فى كتابه العزيز: "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق".
والذى نؤكد عليه أن ثبات أهل الحق على حقهم هو أكبر رادع لأهل الباطل عن باطلهم، ويجب ألا ينجرف بنا خصمنا إلى الطريق الذى يريده أو ينحرف بنا عن مسارنا الصحيح، كما يجب أن يزيدنا تمسك أهل الباطل بباطلهم ثباتا على ثباتنا، ويجعلنا أكثر تمسكا بقيمنا الراقية من: الرحمة، والصدق، والأمانة، والوفاء، الشهامة، والمروءة، والإنسانية، فأمة بلا أخلاق ولا قيم أمة بلا حياة، والأمم التى لا تقوم ولا تبنى على مكارم الأخلاق تحمل عوامل سقوطها وانهيارها فى أصل قيامها وأسس بنائها الهش.
--
وزير الأوقاف
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض