تحتفل المرأة فى تونس بعيدها يوم 13 أغسطس من كل عام، وهذا العيد ليس مجرد ذكرى سنوية للاحتفال بتغيير قوانين لتصب فى صالح النساء، وإنما هو عطلة وطنية تخلد انتصاراً قومياً أنصف المرأة وغير وضعها فى المجتمع بدأت بمساواتهن بالرجال فى مجالات عدة وإعطائهن المكانة المستحقة باعتبارهن نصف المجتمع, فقد حظيت المرأة التونسية منذ الاستقلال عام 1956 بجملة من الحقوق والامتيازات المدنية التى اعتبرت بمثابة «تحولات ثورية» مقارنة بوضع النساء آنذاك فى العالم العربى، لذلك فهو فرصة للتذكر بالحقوق التى اكتسبتها قبل عقود، والآمال الكبيرة المعلقة عليه. ففى مثل هذا اليوم صدرت مجلة الأحوال الشخصية بموجب الأمر المؤرخ فى 13 أغسطس 1956، أى فى سنة استقلال تونس، لكنها لم تدخل حيز النفاذ حتى 1 يناير 1957، وهى تعد أول نص صدر بعد استقلال هذا البلد العربى فى 20 مارس 1956. وقبل إقرار المجلة التقدمية، لم يكن قانون الأحوال الشخصية واحداً وإنما كان عبارة عن مجموعة من التشريعات ذات الصلة، ويعد هذا القانون أحد الإنجازات الرئيسية للسياسى التونسى الحبيب بورقيبة. تضمنت مجلة الأحوال الشخصية التونسية بنوداً ثورية انتزعت للمرأة حقوقا ظلت غائبة لعقود طويلة، ومن أهم التغييرات التى أقرتها وهى منع تعدد الزوجات ومعاقبة كل من يخترق هذا المنع بعقوبة جزائية, سحب القوامة من الرجل وجعل الطلاق بيد المحكمة، ووضع مسار إجراءات قضائية له.
إقرار المساواة الكاملة بين الزوجين فى كل ما يتعلق بأسباب الطلاق وإجراءاته وآثاره, منع إكراه الفتاة على الزواج من الولى عليها واشتراط رضاء الزوجين لإتمام الزيجة, تحديد الحد الأدنى للزواج بـ17 سنة للفتاة و20 سنة للفتى, منع الزواج العرفى وفرض الصيغة الرسمية للزواج وتجريم المخالف. ومنذ صدور مجلة الأحوال الشخصية قبل أكثر من 65 عاماً خضعت للتنقيح نحو 10 مرات وأجرى عليها بعض التعديلات، لعل أهمها التغيير الذى طرأ عليها بموجب القانون عدد 74 المؤرّخ فى 12 يوليو 1993 وقد أثبتت المرأة التونسية جدارتها فى مختلف المجالات والاختصاصات والمواقع وما أبرزته من حس وطنى وروح نضالية عالية للحفاظ على مكتسبات الدولة الوطنية ومنها مكتسبات المرأة التونسية وتصديهن لكل ما من شأنه المس من حقوقهن أو التشكيك فيها وكن دائماً منحازات إلى جانب مطالب كل الفئات الفقيرة والمهمشة وكل القوى الديمقراطية فى كل المحطات التاريخية خاصة فى هذه المرحلة الدقيقة التى تمر بها البلاد من أجل الدفاع عن مكاسب الجمهورية وتحقيق العدالة الاجتماعية والحد من الفقر والبطالة والأمية والتمييز والتهميش الاجتماعى, وكل مظاهر العنف التى مازالت تخضع تحت وطأتها عديد النساء والتى تفاقمت مع جائحة الكوفيد.
وقد عانت المرأة كثيراً من أوضاع متردية فى ظل حكم حركة النهضة الإخوانية أو الإخوانجية كما يطلق عليهم باللهجة التونسية, حيث شنت حركة النهضة الإخوانية حالة من العداء الخالص فى جميع تحركاتها ضد المرأة فى تونس، وعلى الرغم من كافة المكتسبات التى حصلت عليها التونسيات منذ عام 2011، إلا أن الحركة الإخوانية حاولت بكامل قوتها تفريغها من مضمونها, ولعل الواقعة الأكثر فجاجة فى علاقة النهضة بالمرأة تجلت فى الاعتداءات المتكررة من جانب نواب الحركة على السياسيات ونائبات البرلمان مثل سامية عبو وعبير موسى رئيسة الحزب الدستورى الحر التى تم صفعها فى قلب البرلمان لإسكاتها عن معارضة الإخوان، وهو ما تم وصفه بأنه إهانة لجميع الشعب التونسى وهدر لكافة مكتسباتها. لذلك ظهرت المرأة التونسية من أكثر المؤيدين للقرارات التى أصدرها الرئيس قيس سعيد وأهمها تجميد عمل البرلمان وإقالة رئيس الوزراء وإعلان حالة الطوارئ وذلك بعد الفشل المتعاقب لإخوان تونس فى إدارة البلاد عن طريق حركة النهضة صاحبة أكبر تكتل فى البرلمان ومع إعلان القضاء التونسى حصول ثلاثة أحزاب على تمويلات أجنبية، وهى حركة النهضة وقلب تونس وحركة عيش تونسى وهو ما ندد به قيادات حركة النهضة واعتبروه انقلابا على الثورة والدستور إلا أن الشارع التونسى جاء مستجيباً ومرحباً للقرارات الرئاسية التى كانت الكاشفة الكبرى للإخوان وإدارتهم خاصة بعد الأزمات الاقتصادية الكثيرة والفشل فى إدارة أزمة جائحة كورونا وجاءت المرأة التونسية داعمة لكل إصلاح كعادتها صخرة وطنية تونسية تتحطم عليها الأطماع.
عضو مجلس النواب
وأمين سر لجنة الشئون الإفريقية
مدرس كلية الدراسات الإفريقية جامعة القاهرة
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض