تعتبر اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية أحد أهم معالم مشروع التكامل القارى الذى تم الاتفاق عليه فى أجندة 2063، حيث تجسد الحلم الذى طالما راود الآباء المؤسسين لمنظمة الوحدة الأفريقية الذين أرادوا إنشاء سوق أفريقية مشتركة حيث انطلقت الفكرة منذ أكثر من أربعة عقود مع اعتماد استراتيجية مونروفيا فى عام 1979، تلتها خطة عمل لاغوس فى عام 1980، ومعاهدة أبوجا فى عام 1991 والقرارات والإعلانات اللاحقة التى تم تبنيها خلال مؤتمرات وقمم عدة، والمتعلقة بالتنمية الاقتصادية والتكامل فى القارة الأفريقية الا أنه بدأ التخطيط الأولى للاتفاقية عام 2013، ودعا الاتحاد الدول الأفريقية إلى المصادقة عليها منذ ذلك الحين، وتم توقيع 44 دولة على الاتفاقية من أصل 55 دولة فى كيغالى عاصمة رواندا فى 21 مارس 2018، ثم اعلن الرئيس عبدالفتاح السيسى يوم الاحد 7 يوليو من عام 2019 بدء سريان اتفاقية التجارة الحرة القارية بين الدول الافريقية خلال افتتاح القمة الاستثنائية للاتحاد الافريقى فى مدينة نيامى عاصمة النيجر وبدأ سريان العمل بها مع حلول عام 2020 وخلال الفترة الأخيرة، وقعت 54 دولة افريقية على الاتفاقية، وصادق عليها 33 دولة حتى الآن بسبب القوانين المحلية الخاصة بكل دولة، بينما علقت اريتريا عضويتها.
ان اجتماع 54 دولة ذات سيادة فى الاتحاد الأفريقى، على الرغم من مستويات التنمية الاقتصادية المختلفة والأولويات الاستراتيجية المتنوعة لتحقيق هذا الحلم إنما يؤكد أن أفريقيا سوف تتولى مصيرها من خلال تسخير امكانات وطاقات مواطنيها، حيث تغطى منطقة التجارة الحرة فى أفريقيا سوقًا تضم نحو 1,2 مليار نسمة، والذى يُتوقع له أن ينمو إلى 2.5 مليار بحلول عام 2050م، فهى بذلك ستكون أكبر منطقة تجارة حرة على مستوى العالم منذ تشكيل منظمة التجارة العالمية تكتلًا اقتصاديًا يحتوى على نحو ثلاثة تريليونات دولار ضمن إجمالى الناتج المحلى المشترك لدول المنطقة، وقد أشار البنك الدولى إلى أن الاتفاقية تعنى بالنسبة لدول العالم تبادلًا تجاريًا مع القارة الأفريقية بما لا يقل عن 76 مليار دولار، فضلًا عن أنها تنتشل عشرات ملايين الفقراء أغلبهم من النساء بحلول 2035، هذا بالإضافة إلى أنها ستعزز التجارة بين الدول الأفريقية على مستويات عدة، ولا سيما ازدياد وتيرة الانفتاح الاقتصادي، وتراجع تكاليف الشحن والنقل والاتصالات، والاستخدام الواسع لشبكة الإنترنت، وتراجع مستويات الحواجز الجمركية والتجارية، واهتمام الدول بتحسين مناخ الأعمال بهدف تشجيع وجذب مزيد من تدفقات الاستثمار الأجنبي، وتحفيز الإنتاج من خلال تطوير سلاسل القيمة الإقليمية، لضمان تحفيز التصنيع والمعالجة الزراعية والأنشطة الأخرى فى جميع أنحاء القارة، لتزويد السوق الإقليمية والعالمية على حدٍّ سواء، بالاضافة إلى تعزيز قدرات الشركات الأفريقية للوصول إلى الأسواق العالمية وتعزيز الدبلوماسية الاقتصادية والتجارة الأفريقية، كما توسع الفرص التجارية أمام المرأة، ما يسهل الحرية الاقتصادية للنساء ويحقق المساواة الاقتصادية.
كل هذا يتفق مع أهداف اجندة الاتحاد الأفريقى 2063 التى تُعتبر إطارًا إفريقيا للتحول الهيكلى نحو التنمية الشاملة والمستدامة، إذْ تهدف الأجندة إلى تسهيل تنفيذ المبادرات القارية المتمثلة فى برنامج التنمية الصناعية المعَجَّلة لإفريقيا AIDA، وبرنامج تطوير البنية التحتية فى أفريقيا PIDA، وبرنامج تعزيز التجارة البينية الإفريقية BIAT، وبرنامج إفريقيا للتنمية الزراعية الشاملة CAADP، فإنشاء اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية، وسوق إفريقية واحدة للنقل الجوي SAATM، وحرية حركة الناس، هى من السمات الرئيسة لأجندة الاتحاد الأفريقى لعام 2063م؛ لذا ستستمر التجارة بين الدول الإفريقية على مسارات متعددة، ومع تقدم منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية سوف تصبح أكثر توطيدًا ووضوحًا. وعلى الرغم من كل هذه الأهداف الطموحه إلا أننا لا يجب أن نغفل المعوقات التى تتجسد فى تحقيق السلام، فالنزاعات العابرة للحدود تشكل أخطر التحديات والمعوقات، فضلا عن الإرهاب المنتشر فى أجزاء كبيرة من القارة لذلك لابد من تفعيل اتفاقية اسكات البنادق واستحداث آليات لاحتواء النزاعات الخاصة بالاتفاقية لحل مشاكل الاستثمار والتجارة، هذا إلى جانب التحديات التاريخية المتمثلة فى ضعف البنية التحتية، لذلك فإن استحداث الطرق الجديدة مثل طريق القاهرة كيب تاون أصبح ضرورة كبرى، إلى جانب البيروقراطية والفساد.
التنوع الكبير فى الاقتصاد الأفريقى يمثل عائقًا أيضا ويحتاج مزيدا من التنسيق، وجدير بالذكر أن حوالى 70% من الناتج المحلى يأتى من أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة وأغلبهم من النساء والشباب والتى قد تمثل الاتفاقية ضغطًا عليها اذا لم يتم استغلالهم بطريقة صحيحة، لذلك لابد من وجود مؤتمرات تستهدف هذه الفئات بعينها فى كل الدول الأفريقية لتوضيح الاتفاقية وشرح بنودها وكيفية الاستفادة منها. خطوات ترسم مستقبلا جديدا لافريقيا تستلزم تكاتف الجميع لتحقيقها وكما قال نيلسون مانديلا «كل شيء مستحيل حتى تفعله».
عضو مجلس النواب المصرى
مدرس كلية الدراسات الأفريقية جامعة القاهرة
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض